طرطوس: إحباط تهريب بحري يجدد الجدل حول الهجرة غير الشرعية.. دوافع معيشية ومخاطر مميتة


هذا الخبر بعنوان "طرطوس: الهجرة غير الشرعية بين شبكات التهريب ومخاطر البحر" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
عادت قضية الهجرة غير الشرعية عبر البحر لتتصدر المشهد في محافظة طرطوس، وذلك عقب إعلان قوات خفر السواحل السورية عن إحباط محاولة تهريب أشخاص. تمكنت القوات من ضبط شبكة كانت تُحضّر لنقل مجموعة من الركاب بطرق غير نظامية باتجاه قبرص، عبر أحد أخطر المسارات البحرية التي شهدت عشرات الحوادث المميتة خلال السنوات الماضية.
جاءت هذه العملية النوعية بعد متابعة ورصد دقيقين لتحركات الشبكة. وقد جرى استدراج القارب ومحاصرته في عرض البحر أثناء محاولته الفرار، ما أدى إلى اصطدامه بالصخور. أسفر الحادث عن إصابة سائق القارب، الذي تم إسعافه قبل توقيفه أصولاً، إلى جانب إلقاء القبض على جميع المتورطين، بمن فيهم منظمو الرحلة.
تُعدّ سواحل طرطوس من أبرز نقاط الانطلاق لمحاولات الهجرة غير الشرعية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقربها النسبي من السواحل القبرصية، ما يجعلها هدفاً دائماً لشبكات تهريب الأشخاص. غير أن هذه الرحلات، التي تُسوَّق غالباً على أنها "فرصة أخيرة" للخروج من الأوضاع الصعبة، تنطوي على مخاطر جسيمة. فغالباً ما تتم على متن قوارب غير مجهّزة، وفي ظل أحوال بحرية متقلبة، وغياب تام لأي ضمانات للسلامة.
وفقاً لعدد من أبناء طرطوس، تستغل شبكات التهريب حاجة بعض المواطنين أو رغبتهم الملحة في الهجرة السريعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة، دون الاكتراث بمصير الركاب أو سلامتهم. هذا الواقع يحوّل البحر إلى مسرح مفتوح للمجازفة بالأرواح.
تطرح كل عملية إحباط جديدة تساؤلات متجددة حول الأسباب الحقيقية التي تدفع بعض المواطنين إلى المخاطرة بحياتهم في رحلات بحرية غير شرعية. هل تعود هذه المحاولات بالدرجة الأولى إلى ضغوط اقتصادية ومعيشية خانقة، كغياب فرص العمل وضعف الدخل وارتفاع تكاليف الحياة؟ أم أن ثمة عوامل أخرى، داخلية أو خارجية، تُسهم في تغذية هذه الظاهرة المعقدة؟
في هذا السياق، يرى بعض السكان أن الأوضاع المعيشية الصعبة تبقى عاملاً ضاغطاً لدى شريحة واسعة من الشباب، في ظل محدودية فرص العمل وتآكل القدرة الشرائية. هذا يدفع بعضهم إلى البحث عن بدائل خارج البلاد، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر الجمة.
في المقابل، يذهب آخرون إلى اعتبار أن شبكات التهريب تلعب دوراً مركزياً في تضخيم "وهم الخلاص السريع"، عبر وعود غير واقعية بحياة أفضل في الضفة الأخرى من المتوسط، متجاهلين الحقائق المريرة.
من جهته، قدّم أحمد الجنيدي، أحد سكان طرطوس، قراءة مغايرة لدوافع الهجرة غير الشرعية في حديث لمنصة سوريا 24. اعتبر الجنيدي أن "الظروف الاقتصادية الصعبة ليست الدافع الأساسي لمن يحاولون الهروب بحراً"، على حد تعبيره.
وأوضح الجنيدي أن "الذين يعانون من ضيق المعيشة ما زالوا صامدين، يتأملون تحسّن الأوضاع"، مشيراً إلى أن بعض محاولات الهجرة تعود، برأيه، إلى محاولات للهروب من المساءلة القانونية، وليس بحثاً عن لقمة العيش. وفي حديثه عن شبكات التهريب، وصف الجنيدي المهرّبين بأنهم "مدفوعون بالطمع وتحقيق أرباح غير مشروعة"، مؤكداً أن هذه الشبكات "لا تعبأ بالقانون ولا بأرواح الناس"، وأنها تستغل أي فرصة لتوسيع نشاطها، مهما كانت الكلفة الإنسانية.
تبقى مسألة فقدان الأمل بتحسّن الأوضاع في الداخل من أكثر النقاط إثارة للجدل في نقاش الهجرة غير الشرعية. فبينما يرى بعض المواطنين أن طول أمد الأزمات يدفع إلى اليأس والبحث عن مستقبل في الخارج، يرفض آخرون هذا الطرح، معتبرين أن الهجرة غير النظامية ليست حلاً، وأنها قد تقود إلى مصير مجهول أو مأساوي.
كما لا يُستبعد دور العوامل الخارجية، سواء عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو سماسرة التهريب، في تشجيع هذه المحاولات. يتم ذلك من خلال الترويج لصورة وردية عن الوصول إلى أوروبا، مقابل التعتيم المتعمد على المخاطر الحقيقية، من الغرق أو الاحتجاز أو الترحيل، حسب ما أشار إليه الجنيدي.
في ضوء تكرار هذه المحاولات، تؤكد الجهات المعنية استمرارها في تشديد الرقابة على السواحل، وملاحقة شبكات التهريب، في إطار الحد من الظاهرة وحماية الأرواح. وترافق ذلك دعوات متكررة للمواطنين بعدم الانجرار وراء وعود المهرّبين الكاذبة، والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه، تفادياً لمآسٍ جديدة في عرض البحر.
وبينما تتواصل الجهود الأمنية، تبقى قضية الهجرة غير الشرعية من طرطوس ملفاً مفتوحاً على أسئلة اقتصادية واجتماعية وأمنية معقّدة. تتطلب هذه القضية مقاربات شاملة تتجاوز المعالجة الأمنية البحتة، نحو معالجة جذور الظاهرة والحد من أسبابها، قبل أن يتحول البحر مرة أخرى إلى شاهد على فواجع جديدة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
صحة