التعليم في دير الزور المحررة: تحديات متراكمة وجهود محلية ودولية لترميم الواقع المتدهور


هذا الخبر بعنوان "التعليم في دير الزور المحررة: واقع متدهور ومحاولات ترميم عاجلة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يصف محمد عيد الفهد، وهو متابع لملف التعليم في الجزيرة السورية، الواقع التعليمي في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة “قسد” بأنه “سيئ جداً”. ويؤكد الفهد، في حديث لمنصة “سوريا 24”، أن هذا التدهور لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكمات امتدت لسنوات طويلة. فبحسب الفهد، عانى التعليم في تلك المناطق من غياب المنهاج الواضح والمعتمد، إضافة إلى نقص حاد في الكوادر التعليمية المؤهلة، حيث جرى قبول معلمين يحملون شهادات متفاوتة من دون معايير أكاديمية واضحة أو إطار تعليمي منظم يضمن جودة المخرجات. ويضيف أن الاعتماد الأساسي خلال تلك الفترة كان على ما سُمّي بـ”منهاج التعلّم الذاتي”، الأمر الذي انعكس سلباً على مستوى التحصيل العلمي لدى الطلاب، وخلق فجوة معرفية واضحة بين أجيال متعاقبة من المتعلمين.
اجتماع تربوي لتقييم الواقع التعليمي
في ظل التحديات الكبيرة التي يواجهها القطاع التعليمي في المناطق المحررة حديثاً بمحافظة دير الزور، عُقد قبل أيام اجتماع موسّع ضم معاون محافظ دير الزور لقطاع التربية، ومسؤولي المنطقة الغربية والشمالية المحررة، إلى جانب وفد من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف). ركّز الاجتماع على مناقشة سير العملية التعليمية في تلك المناطق، وتقييم الاحتياجات الأساسية، والاستماع إلى استفسارات ومطالب الكوادر التعليمية، بما يضمن استمرار التعليم وتحسين جودته في مرحلة ما بعد التحرير. ويأتي هذا اللقاء في إطار تحركات رسمية ودولية لمعالجة آثار سنوات طويلة من التدهور التعليمي، والعمل على وضع أسس أكثر استقراراً للعملية التعليمية في واحدة من أكثر المحافظات السورية تضرراً.
مناهج متعددة وغياب الاستقرار التعليمي
يشير الفهد إلى حالة من الازدواجية والتخبط في المناهج التعليمية، حيث جرى في مناطق الحسكة وبعض المناطق الأخرى تدريس منهاج تابع لـ”قسد”، في حين استمرت بعض المدارس، ولا سيما المدارس المسيحية في الحسكة، بتدريس المنهاج السوري الرسمي لفترة من الزمن، قبل أن تُغلق لاحقاً من قبل “قسد”. هذا التعدد في المناهج، وفق متابعين، أسهم في إرباك العملية التعليمية، وأضعف الاعتراف الأكاديمي بالمخرجات التعليمية، وترك آثاراً طويلة الأمد على الطلاب، خصوصاً فيما يتعلق بالانتقال بين المراحل التعليمية أو الالتحاق بالتعليم العالي.
مدارس متضررة واحتياجات ملحّة
على صعيد البنية التحتية، يوضح الفهد أن أبرز احتياجات القطاع التعليمي تتمثل في صيانة وترميم المدارس. فرغم قيام بعض المنظمات الدولية بتنفيذ أعمال صيانة محدودة، إلا أن عدداً كبيراً من المدارس تعرّض خلال فترات السيطرة والتحرير للسرقة والتخريب، فيما جرى استخدام بعضها كمقارّ عسكرية. وتحتاج المنطقة اليوم، بحسب تقديرات محلية، إلى ترميم عدد كبير من المدارس بشكل عاجل، إضافة إلى إعادة تجهيزها بالمستلزمات الأساسية، وتأمين بيئة تعليمية آمنة ومناسبة للطلاب.
أرقام تشير إلى تحسن نسبي
ورغم قتامة المشهد، تشير التقديرات إلى أن نحو 90 في المئة من المدارس في المناطق المحررة هي مدارس نظامية وتعمل حالياً، إلا أنها ما تزال بحاجة إلى تعديلات وترميمات إضافية، إلى جانب إعادة تأهيل الكوادر التعليمية ورفع كفاءتها. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التربية والتعليم أن أكثر من 261 ألف طالب وطالبة عادوا إلى مقاعد الدراسة في محافظة دير الزور، وأنه جرى تفعيل أكثر من 760 مدرسة، وذلك ضمن خطة تهدف إلى “إعادة حق التعليم لكل طفل سوري”. هذه الأرقام تعكس تقدماً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلات حول جودة التعليم، ومدى قدرة المدارس والكوادر الحالية على استيعاب هذا العدد الكبير من الطلاب.
كوادر تعليمية بين البطالة والانتظار
يُعد ملف الكوادر التعليمية من أكثر الملفات تعقيداً. فبحسب الفهد، كانت “قسد” قد وظّفت أكثر من 9 آلاف معلم يحملون شهادات مختلفة، تتراوح بين الثانوية العامة والشهادات الجامعية. ومع توقف رواتب هؤلاء المعلمين، التي كانت تبلغ في السابق نحو 120 دولاراً شهرياً، وجد الآلاف منهم أنفسهم في مواجهة البطالة وأوضاع معيشية صعبة. ورغم وجود وعود حكومية بتثبيتهم ضمن ملاكات رسمية، أو التعاقد معهم بعقود أو وكالات، إلا أن هذه الوعود لم تُترجم بعد إلى خطوات عملية شاملة، ما يترك شريحة واسعة من المعلمين في حالة ترقّب وعدم استقرار.
فجوة تعليمية تتطلب معالجة شاملة
بشكل عام، يُجمع متابعون على أن واقع التعليم في مناطق الجزيرة السورية والمناطق المحررة بدير الزور يعاني من تدهور كبير بدأ منذ عام 2014، مع سيطرة تنظيم “داعش” على المنطقة، واستمر خلال فترات السيطرة اللاحقة، ما خلّف فجوة تعليمية واضحة. هذه الفجوة، بحسب سكان المنطقة، لا يمكن معالجتها بحلول جزئية أو مؤقتة، بل تتطلب خطة شاملة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوحيد المناهج، وتدريب الكوادر التعليمية، إلى جانب دعم نفسي وتعليمي للطلاب الذين انقطعوا عن التعليم لسنوات.
تعاون محلي ودولي لمواجهة التحديات
الاجتماع الأخير الذي جمع معاون محافظ دير الزور لقطاع التربية مع مسؤولي المناطق المحررة ووفد “اليونيسيف”، يعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون بين الجهات المحلية والمنظمات الدولية، بهدف وضع خارطة طريق واضحة للنهوض بالقطاع التعليمي. وقد جرى خلال الاجتماع تقييم الاحتياجات الضرورية، والإجابة على استفسارات الكوادر التعليمية، في محاولة لضمان استمرار العملية التعليمية بأفضل صورة ممكنة، رغم التحديات الكبيرة.
مستقبل التعليم في دير الزور
بين واقع متدهور وإجراءات تحاول لملمة آثار سنوات من الانقطاع، يقف التعليم في دير الزور عند مفترق طرق، فنجاح الجهود الحالية مرهون بقدرتها على الانتقال من المعالجات الإسعافية إلى حلول استراتيجية طويلة الأمد، تضمن حق التعليم، لا بوصفه خدمة فقط، بل كركيزة أساسية لإعادة بناء المجتمع في مرحلة ما بعد الصراع.
سياسة
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي