الحسكة تحت وطأة العطش: سيطرة "قسد" على مصادر المياه تحوّل الحياة إلى صراع يومي


هذا الخبر بعنوان "بسبب سيطرة “قسد” على المياه.. عطش يفتك بأرياف الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت محافظة الحسكة مؤخراً تحولات ميدانية عميقة، حيث بسطت الحكومة السورية سيطرتها على أجزاء واسعة من ريفيها الشرقي والجنوبي. إلا أن هذه التغيرات لم تقتصر على تبديل خرائط النفوذ فحسب، بل فتحت فصلاً جديداً وقاسياً من معاناة السكان، الذين باتوا يواجهون ما يُعرف بـ "سلاح العطش". فمع تراجع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) إلى مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي وبعض أريافهما، وجد آلاف المدنيين في الأرياف النائية أنفسهم محاصرين بجفاف خانق. يعود السبب في ذلك إلى انقطاع سبل وصولهم إلى مصادر المياه الرئيسية، التي بقيت، في مفارقة جغرافية وخدمية، تحت سيطرة "قسد".
لقد أفضى هذا الواقع المستجد إلى تفاقم غير مسبوق في أزمة مياه الشرب، حيث تحول تأمين لتر واحد من الماء الصالح للشرب إلى معركة يومية يخوضها سكان القرى والبلدات المنتشرة في الريف الشرقي الممتد نحو الحدود العراقية، والريف الجنوبي الذي يصل إلى حدود دير الزور.
بعد المعارك الأخيرة، شهدت الخارطة العسكرية في الحسكة تحولاً جذرياً، حيث بسطت القوات الحكومية سيطرتها على قرى وبلدات شاسعة كانت لسنوات تحت إدارة "الإدارة الذاتية". لكن مع تراجع "قسد" إلى الجيوب المدنية الكبرى، بقيت غالبية "المناهل" والآبار الارتوازية الكبرى، التي جُهزت خلال العقد الأخير بمعدات ضخ وتصفية حديثة، ضمن مناطق نفوذ "قسد" أو على خطوط التماس المباشرة. هذا التقسيم الجغرافي حال دون وصول صهاريج المياه، سواء التابعة للمؤسسات الحكومية أو الخاصة، إلى تلك المناهل، مما حرم الريفين الشرقي والجنوبي من مصادر تغذيتهما الرئيسية.
وتشير مصادر محلية إلى أن العديد من الآبار الصالحة للشرب، التي أُقيمت عليها محطات تعبئة (مناهل)، ظلت خلف الخطوط الجديدة. هذا الوضع أجبر القرى الواقعة تحت سيطرة الحكومة على الاعتماد على آبار سطحية ذات ملوحة عالية، أو على مياه غير معالجة تُجلب من مسافات بعيدة بأسعار باهظة.
في سياق متصل، قامت وزارة الدفاع السورية بخطوة محدودة تمثلت في تزويد محطة تل أذان، الواقعة في ناحية تل براك، بالوقود، مما أدى إلى عودتها للعمل واستئناف ضخ المياه للمناهل. وفي الوقت ذاته، تواصل الصهاريج الخاصة نقل المياه وبيعها في الريف الشرقي للحسكة، بدءاً من بلدة الهول وصولاً إلى بلدة تل حميس. ومع ذلك، تبقى هذه الجهود مجرد قطرة في محيط الاحتياج الهائل للمياه الذي يعاني منه الريف.
لا يمكن فصل أزمة مياه الأرياف عن الكارثة الأكبر التي تضرب مدينة الحسكة وضواحيها ومدينة تل تمر، والمتمثلة في توقف محطة "علوك" الواقعة في ريف رأس العين. فمنذ سنوات، تعاني هذه المحطة، التي تُعد المصدر الوحيد للمياه لنحو مليون نسمة، من انقطاعات متكررة وطويلة الأمد. ويعود ذلك إلى الخلافات السياسية والعسكرية حول تزويدها بالكهرباء من مناطق "قسد" مقابل ضخ المياه. هذا الانقطاع المزمن دفع بسكان المدن والبلدات المجاورة إلى الاعتماد الكلي على الصهاريج والآبار المحلية، مما زاد الضغط على الموارد المائية المتاحة في المحافظة بشكل عام. ومع فقدان الأرياف الجنوبية والشرقية القدرة على الوصول إلى مناهلها الخاصة بعد تبدل خرائط السيطرة، تحول المشهد المائي في الحسكة إلى بقع جغرافية معزولة ينهشها العطش، دون أفق لحلول جذرية.
في ظل هذا المشهد القاتم، تسعى المنظمات الدولية لتقييم الاحتياجات في المناطق التي أصبح الوصول إليها ممكناً بعد استقرار الخطوط العسكرية. وفي هذا الإطار، أجرت بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر مؤخراً جولة ميدانية إلى قرية "مسعدة" الواقعة جنوب مدينة اليعربية في الريف الشرقي. هدفت الزيارة إلى إجراء كشف فني على الآبار الارتوازية في القرية، والاطلاع على حالتها التشغيلية، وتقييم قدرتها على تلبية احتياجات السكان. كما رصدت البعثة المعوقات التي تواجه قطاع المياه في تلك المنطقة، لا سيما في القرى التي تعتمد كلياً على الآبار لتلبية متطلباتها اليومية. وتأتي هذه الخطوات في محاولة لدعم استدامة الموارد المائية المتبقية وتحسين البنية التحتية المتهالكة جراء سنوات الحرب والإهمال.
من قلب العطش في ريف الحسكة الشرقي، يصف المواطن أحمد جاسم (55 عاماً) الوضع قائلاً: "كنا نظن أن انتهاء المعارك سيجلب لنا الراحة، لكننا وجدنا أنفسنا أمام عدو أخطر وهو العطش. المناهل التي كنا نتزود منها تبعد عنا بضعة كيلومترات، لكنها الآن خلف حواجز "قسد"، والصهاريج لا تستطيع العبور". ويضيف جاسم: "نشتري خزان الماء الصغير بمبالغ تفوق قدرتنا، وغالباً ما تكون المياه مالحة وغير صالحة إلا للغسيل".
وفي الريف الجنوبي، تعبر سعدة خلف، وهي نازحة عادت إلى قريتها مؤخراً، عن معاناتها بقولها: "الأطفال يصابون بأمراض معوية باستمرار بسبب شرب مياه الآبار السطحية الملوثة. ننتظر المنظمات لعلها تصلح بئراً أو تضع لنا محطة تصفية، فالحكومة لا تملك الإمكانيات حالياً، و"قسد" تمنع وصول المياه من المناطق التي تسيطر عليها".
يؤكد المهندس أكرم العلي، الخبير في الموارد المائية بريف الحسكة، أن المشكلة تتجاوز مجرد نقص الأمطار أو جفاف الآبار، واصفاً ما يحدث بأنه "تفتيت للبنية التحتية المائية بناءً على خرائط عسكرية". ويوضح العلي أن محطات الضخ والمناهل صُممت لتعمل كشبكة متصلة، وفصلها بين قوى مسيطرة مختلفة يعني توقفها عن العمل فعلياً. وأضاف أن المشكلة في الريفين الشرقي والجنوبي تكمن في تركز الآبار الارتوازية العميقة والمنظمة في مناطق جغرافية محددة، وبعد انسحاب "قسد" منها وبقائها في محيطها، "تحولت هذه الآبار إلى أداة ضغط سياسي وميداني". ويشدد على أن "الحل لا يمكن أن يكون عبر مسكنات وتوزيع صهاريج من قبل المنظمات، بل يحتاج إلى اتفاقات لتحييد ملف المياه عن الصراع العسكري، وضمان وصول السكان في كافة مناطق السيطرة إلى المناهل دون عوائق".
يبقى سكان أرياف الحسكة ضحية لواقع معقد، فهم يواجهون تداعيات خروج محطة "علوك" عن الخدمة من جهة، ويقعون ضحية لترسيم الحدود العسكرية الجديدة التي عزلتهم عن آبارهم من جهة أخرى. ومع استمرار تعثر الحلول السياسية بين الأطراف المتصارعة، تظل المبادرات الفردية والزيارات التقييمية للمنظمات الدولية هي الأمل الوحيد المتبقي للسكان، بانتظار مشاريع قد تعيد الحياة إلى عروق قرى الحسكة التي أضناها العطش.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة