رئاسة ترامب: مسلسل تلفزيوني طويل يواجه زلزال الواقع


هذا الخبر بعنوان "مسلسل أميركي طويل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى طريف الخالدي أن رئاسة ترامب تشبه في جزء كبير منها مسلسلاً تلفزيونياً أميركياً طويلاً، صممه بطله (ترامب نفسه) بعناية فائقة في حلقات يومية متتالية. فكل حلقة تقدم مشهداً مثيراً ومذهلاً يدفع المشاهدين لترقب الحلقة التالية وما سيفعله البطل أو يقوله، مما يبقيهم في حالة من التشويق الدائم.
في هذا السياق، أصبح البيت الأبيض اليوم أشبه بـ«ساوث فورك رانش»، معقل عائلة «يوينغ» في مسلسل «دالاس» الشهير. ويتساءل الكاتب: ما الذي سيفعله البطل «ج.ر» غداً ليحتال على أعدائه ومنافسيه؟ وما هي أحدث حِيَله للإيقاع بهم أو لتفادي مكائدهم؟ وهل ينسى أبناء جيلي من مشاهدي مسلسل «دالاس» حلقة «مَن أطلق النار على ج.ر» وصداها العالمي؟
يُقال إن مستشار ترامب و«عقله» السابق، ستيف بانون، هو من أوحى له باستراتيجية التشويق المتواصل، أي «انتظروا ما سأفعل»، وهو الذي نبذه ترامب اليوم واستبدل به نتنياهو كـ«عقله» الجديد. ولا شك أن خبرة ترامب التلفزيونية التي سبقت مساره السياسي مباشرة قد صقلت مواهبه التمثيلية ليؤدي دور المشوّق اليومي الدائم. يجب ألا ننسى أنه لم يكن يمتلك أي خبرة سياسية قبل وصوله إلى السياسة، لذا ليس مستغرباً أن يسترشد في سياساته وتصرفاته بما تعلمه أثناء عمله في مسلسله التلفزيوني.
يمتد هذا المسلسل «الترامبي» في ميدان خيالي، فكلما تدخل ميدان الواقع لتغيير مساره، تجاهله الميدان الخيالي أو نبذه، أو أنقص من قيمته، أو شتمه، ليعود بسرعة إلى الخيال. المهم هنا هو الإبقاء على التشويق التلفزيوني المستمر، ليتحفنا البطل كل يوم بما استجد من المدهشات. وكما في المسلسلات، فإن معيار النجاح في سياساته العامة هو الربح المادي له ولشركائه، وعدد المشاهدين، والتشويق الذي ينبغي له ألا ينقطع ولو للحظة من الزمن. ولا بأس إذا كرر البطل تعابيره اللفظية، ونعوته، وبذاءاته، والإفراط في صيغ التفضيل، فهذه كلها تثبت شخصيته عند المشاهدين وتجعلهم أشبه بشركائه في المسلسل، أو على الأقل أشبه بمن يدغدغ خياله التنبؤ بما قد يأتي به البطل في الغد. الأهم هو ألا يُسمح للواقع أن يعكر صفو المسلسل.
فضيحة إبستين؟ لا علاقة للبطل والمسلسل بها. أسئلة صحافية تمس الواقع؟ يُشتم السائل ويُطرد من «الاستوديو». التهديد بالاستيلاء على بلدان أخرى؟ مجرد حِيَل وألاعيب سحرية يلعبها البطل تماماً كما يشاء ويستبدلها بحِيَل أخرى متى انقضى دورها التلفزيوني. الإبادة في غزة؟ يبني البطل قصراً خيالياً اسمه «مجلس إدارة السلام» لينشر السلام في أرجاء المعمورة كافة. الأزمات في إيران وأوكرانيا وغيرها؟ الطرف الآخر هو دوماً من يتصل بالبطل أولاً بأول، بل ويستجدي التفاوض معه لحل الأزمة. ينبغي أن يكون البطل على الدوام هو المركز ومحط الأنظار، ومن حوله حاشية من العائلة والوزراء هم أشبه بجمهور في استوديو تلفزيوني يصفق كلما ظهرت أمامه يافطة إلكترونية تطلب منه التصفيق.
ولعل ما اعترفت به إحدى قريبات الكاتب، عندما أخبرها أنه بصدد الكتابة عن «استوديو» ترامب، يمثل ما شعر به الكثيرون عند انتهاء فترة رئاسته الأولى ومجيء بايدن: «ما هذا الملل؟ أين ترامب ليسلينا؟» رغم أنها تحتقر كل ما يمت إلى الرئيسين بصلة. وكما في المسلسلات، فإن معيار النجاح في سياساته العامة هو الربح المادي له ولشركائه، وعدد المشاهدين، والتشويق الذي ينبغي له ألا ينقطع ولو للحظة من الزمن. والمطلوب هنا هو أن يصبح اسم «ترامب» بمثابة «ماركة مسجلة» كما كانت الحال مع «ج.ر» في مسلسل «دالاس». لذا نجده شديد الاهتمام بفرض اسمه على كل ما تصل إليه يده من مؤسسات ومنشآت عامة، بل ويضع ذلك كشرط لتقديم المساعدات الفدرالية. ولو استطاع لاستبدل أميركا بـ«ترامبيا» ولعله قد يفعل، فالأمر الأهم هو أن يُخضِع الواقع لمتطلبات الاستوديو والإدمان على المشاهدة.
السؤال هو: هل وصلنا اليوم، وخصوصاً مع زلزال إبستين، إلى نقطة اصطدام فلكي بين الواقع والمسلسل؟ لا ريب أن المسلسل سوف يستنفر كل موارده ومصادر قوته لطمس تأثير هذا الزلزال، ومن بينها «حلقة» جديدة من المسلسل التي من شأنها أن تتخطى ما سبق لتنسج أمامنا مشهداً جديداً. وبالنظر إلى فداحة قضية إبستين وامتداداتها العالمية، من المرجح أن «يسلينا» ترامب فيأتينا قريباً بما هو أفدح كي يضمن للمسلسل مشاهدة مستمرة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة