ضفيرة تل أبيض الزائفة تثير غضباً عالمياً بينما جرائم سوريا الحقيقية تُتجاهل: تحقيق دير شبيغل يكشف ازدواجية المعايير


هذا الخبر بعنوان "دير شبيغل: ضفيرة زائفة تحرك العالم وجرائم موثقة تتجاهل" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في كانون الثاني/يناير 2026، شهد العالم رد فعل غاضباً وتضامناً عابراً للقارات في غضون 17 ثانية فقط، مستنهضاً حملات نسوية وحقوقية واسعة. لم يكن هذا الانفجار العاطفي ناجماً عن مجزرة موثقة، أو تصفية معتقلين داخل سجن، أو قنص أطفال في الشوارع، بل كان سببه ظهور ضفيرة شعر في مقطع مصور من مدينة تل أبيض شمالي سوريا. تحولت هذه الصورة الواحدة بسرعة مذهلة إلى قضية عالمية، وصُنعت منها سردية إنسانية متكاملة، قبل أن يُطرح السؤال البديهي متأخراً: هل ما نراه حقيقي فعلاً، أم أنه مجرد وهم رقمي جرى تضخيمه حتى طغى على الدم الحقيقي؟
لم يكن هذا السؤال أخلاقياً فحسب، بل صحفياً بامتياز، وهو ما دفع مجلة DER SPIEGEL الألمانية (دير شبيغل) إلى تفكيك القصة والتحقق من أصل الفيديو وسياقه. في تحقيقها الذي حمل عنوان "Deshalb bewegt ein wohl falscher Zopf die Welt" (لهذا تحرك ضفيرة يرجح أنها زائفة العالم)، كشفت المجلة أن المقطع المتداول، الذي لا يتجاوز 17 ثانية، أُخرج عن سياقه الحقيقي، وأن الرواية التي بُنيت عليه لا تستند إلى أي وقائع مثبتة.
ووفقاً للتحقيق، فإن الضفيرة التي أثارت موجة الغضب والتعاطف العالمي ليست سوى خصلة شعر صناعية (باروكة)، جرى تصويرها على سبيل المزاح. لكنها تحولت عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى رمز سياسي وإنساني ضخم. وحذرت المجلة من خطورة التضليل البصري، ومن الانجرار خلف محتوى عاطفي غير متحقق منه، مؤكدة أن كثيراً مما يُنشر على الشبكات لا يعكس الحقيقة كاملة، بل يُعاد إنتاجه بما يخدم سرديات جاهزة. الرجل الذي ظهر في الفيديو، رامي الدهش من مدينة تل أبيض، والذي كان قد عاد إلى مدينته بعد الهجمة الأخيرة، أوضح لاحقاً أن ما حدث لم يكن سوى مزحة، وأن الضفيرة مجرد باروكة لا علاقة لها بأي مقاتلة أو حادثة قتل. إلا أن الفيديو، بعد أن خرج عن سياقه، تحول إلى قضية رأي عام، وجرّ على صاحبه تهديدات بالقتل وضغوطاً واسعة، انتهت بتسليم نفسه للشرطة، في مشهد يعكس حجم القوة التي باتت تمتلكها المحكمة الرقمية حين تُبنى على الوهم لا على الوقائع.
غير أن جوهر القضية لا يكمن في الفيديو ذاته، بل في طريقة تلقيه عالمياً. ففي اليوم نفسه الذي كانت فيه الضفيرة تتصدر النقاش على المنصات الدولية، شهدت محافظة الرقة وقائع موثقة لا تحتمل التأويل: تصفية معتقلين داخل سجن الطبقة في مشاهد مصورة، وعمليات قنص مدنيين في مدينة الرقة، إضافة إلى توثيق مقتل 22 مدنياً، بينهم ثلاثة أطفال، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. هذه الوقائع لم تكن رمزية، ولا قابلة للتأويل، ولا قائمة على افتراضات أو روايات متداولة، بل كانت جرائم مثبتة بالصوت والصورة. ومع ذلك، لم تحظ بعشر الاهتمام الذي حظيت به الضفيرة. لم تتحرك حملات تضامن، ولم تصدر بيانات غاضبة، ولم تتحول المأساة إلى قضية رأي عام عابرة للحدود، وكأن الدم الحقيقي أقل قابلية للتعاطف من صورة قابلة للتسويق العاطفي.
يكشف هذا التناقض الفاضح ازدواجية المعايير لدى شريحة من النشطاء والحقوقيين الذين يرفعون شعارات الدفاع عن الإنسان، لكنهم يختارون قضاياهم وفق الهوية السياسية للضحية، لا وفق حجم الجريمة أو فداحة الانتهاك. فبينما تحرك ضفيرة زائفة العالم، تمر تصفية معتقلين وقنص أطفال بصمت ثقيل. هنا لا يعود الحديث عن حقوق إنسان، بل عن حقوق انتقائية، تُستدعى حين تخدم سردية معينة، وتُهمل حين تُحرج طرفاً محمياً سياسياً.
لم يفضح تحقيق Der Spiegel (دير شبيغل) قصة الضفيرة الزائفة فحسب، بل كشف خللاً عميقاً في الضمير العالمي، حيث تُصنع القضايا على مقاس السردية، لا على حجم الجريمة. في عالم تحركه صورة بلا دم، ويصمت أمام مشاهد تصفية معتقلين وقنص مدنيين موثقة، تصبح العدالة شعاراً فارغاً، وتتحول حقوق الإنسان إلى أداة انتقائية لا ميزاناً أخلاقياً. في سوريا، لا يحتاج الضحايا إلى رموز مصطنعة ولا إلى قصص قابلة للتسويق، بل إلى عين ترى الجميع بلا استثناء، وإعلام لا يخشى كسر السرديات الجاهزة، وضمير لا ينتفض إلا حين يُسمح له بذلك. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الدم الحقيقي أقل قيمة من ضفيرة، وستظل المأساة السورية رهينة صمتٍ عالمي لا يثور إلا حين يخدم روايته. (بقلم ريم الناصر - زمان الوصل)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة