تونس: مبادرة تشريعية لمكافحة القمار الإلكتروني وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "مبادرة تشريعية في تونس ضد القمار الإلكتروني… هل يتفوق التشريع على التكنولوجيا؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً في تونس، أودع 23 نائباً في مجلس النواب مبادرة تشريعية تهدف إلى تشديد مكافحة القمار وألعاب الحظ، لا سيما تلك التي تتم عبر الإنترنت. وقد أحيل هذا المقترح إلى لجنة التشريع العام لمواصلة دراسة تفاصيله وتداعياته المحتملة على المجتمع والقانون التونسي.
لسنوات طويلة، ظلت ظاهرة القمار الإلكتروني هامشية في تونس، لكنها تحولت في الأعوام الأخيرة إلى جزء ملحوظ من المشهد الرقمي، خصوصاً بين فئات الشباب. وتشير تقارير محلية إلى أن تونس تحتل المرتبة الـ 33 من أصل 247 دولة في مجال الرهان الإلكتروني، حيث تضخ السوق التونسية نحو 300 مليون دولار في هذا المجال. هذا الوضع يفاقم الأزمة الاقتصادية الحادة التي تشهدها البلاد، ويضعف احتياطي العملة الأجنبية لديها.
من بين القصص المأساوية التي يسببها هذا الإدمان، انتهى إدمان القمار الإلكتروني بنجم الدين إلى الطلاق. يروي الموظف التونسي البالغ من العمر 39 عاماً أن زوجته قررت الانفصال عنه بعد أن أصبح حبيساً لهاتفه المحمول، يقضي معظم وقته متنقلاً بين منصات القمار الإلكتروني. ويكشف نجم الدين أنه باع أغلب أثاث بيته أملاً في كسب مبلغ كبير كان يمني نفسه به لتعويض أسرته عن كل ما خسرته. ويعترف بأن زوجته ضاقت ذرعاً بإدمانه، مما دفعها لاتخاذ قرار الانفصال. ويُقر المتحدث في شهادته لـ "النهار" بأنه حاول الإقلاع عن إدمانه، حتى أنه باع هاتفه المحمول واكتفى بهاتف عادي، لكنه لم يستطع مقاومة رغبته في اللعب، فعاد لعادته القديمة أملاً في كسب الثروة التي ستعوضه عن كل ما خسره.
على الرغم من أن القانون التونسي الحالي يقيد جميع أشكال المراهنات ويجعلها حكراً على الدولة، فإن انتشار المنصات الرقمية العابرة للحدود، التي تسمح بالمراهنة على الرياضة أو ألعاب الحظ عبر الإنترنت، جعل الرقابة التقليدية عاجزة إلى حد كبير. قانونياً، تخضع ألعاب الحظ والرهان الرياضي لاحتكار الدولة عبر شركة "برومسبور" الخاضعة للإشراف الرسمي، والتي تُعنى بمسابقة التكهنات الرياضية الأسبوعية. ويُجرم القانون أي نشاط خارج هذا الإطار. لكن انتشار القمار الإلكتروني في السنوات الأخيرة عبر منصات وتطبيقات تستقطب الآلاف من التونسيين من جميع الفئات والشرائح الاجتماعية الباحثين عن الربح السهل، بات ملحوظاً.
بالعودة إلى مشروع القانون المقترح، فإنه يتضمن – وفق ما اطلعت عليه "النهار" – "حظر تنظيم أو إدارة أو المشاركة أو الترويج أو الإعلان عن أي نوع من ألعاب الحظ، سواء التقليدية أو الرقمية". ومع ذلك، يفسح المشروع المجال لـ "الترخيص الاستثنائي فقط بموافقة صريحة من السلطة المختصة، وفق شروط صارمة لمكافحة الإدمان وحماية القصر". كما يحظر "إنشاء أو إدارة أو الترويج أو الإعلان عن منصات القمار الرقمية، ويُلزم مزودي خدمات الإنترنت والدفع الإلكتروني باتخاذ التدابير اللازمة لمنع أي نشاط قمار محظور".
رغم أن المبادرة التشريعية أثارت جدلاً واسعاً، حيث اعتبر عدد من النواب أن هناك قضايا أهم يجب الالتفات إليها، تهدف المبادرة الجديدة إلى إعادة تعريف ظاهرة الإدمان الإلكتروني وتجريمه، وفق ما أكدته النائبة في البرلمان التونسي فاطمة المسدي. وتوضح المسدي، وهي إحدى النواب الذين تقدموا بالمقترح التشريعي الجديد لـ "النهار"، أن القانون المعتمد حالياً لمكافحة ظاهرة القمار يعود إلى عام 1974، وتعتبر أنه لا يمكن مكافحة ظاهرة جديدة بقانون تجاوز عمره الـ 50 عاماً. ووفقاً للمسدي، فإن القانون الجديد يواكب التطورات التي عرفتها هذه الظاهرة، خصوصاً بالنسبة إلى القمار الإلكتروني، الذي تؤكد أنه بات مثله مثل المخدرات آفة تنخر المجتمع التونسي وتسبب العديد من المآسي العائلية. وتضيف أن النص القانوني الجديد يُعرف القمار الإلكتروني بعد أن أصبح جريمة منظمة تهدف لتبييض الأموال، وتمارسه شبكات ممتدة حتى خارج البلاد، مع تشديد عقوباته التي تصل إلى السجن لمدة 5 سنوات.
يأتي هذا التحرك التشريعي في ظل انتشار واسع لمنصات الرهانات غير القانونية، وسط دعوات لتشديد الرقابة لحماية النسيج الاجتماعي والمنظومة المالية. وقد حذرت منظمات المجتمع المدني، مثل "المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك"، من الانتشار المتزايد للرهان الإلكتروني في تونس، معتبرة إياه خطراً مباشراً يهدد الشباب والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ويشارك لطفي الرياحي، رئيس المنظمة، النواب هواجسهم. وفي تصريح لـ "النهار"، دعا الرياحي إلى تعديل الإطار القانوني وتعزيز التنسيق بين الهياكل الرقابية والأمنية ومعاقبة كل من يروج أو يسهل هذا النشاط. كما شدد على ضرورة التسريع في إطلاق برامج وطنية للتوعية تستهدف الشباب والأولياء والمؤسسات التعليمية. ويقول الرياحي إن الدراسات والأرقام تظهر ارتفاع نسب الإدمان على الرهان، خصوصاً لدى الشباب، ويضيف أن ذلك تنجر عنه آثار نفسية واجتماعية خطيرة، مثل تراجع المستوى الدراسي، التفكك الأسري، العزلة، والضغوط المالية. ويبقى السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن لنص قانوني أن يكافح ظاهرة تتغذى من التطور التكنولوجي المتسارع؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة