الخيار شمشون: كتاب سيمور هيرش يكشف أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية وتأثيرها على السياسة الأمريكية والتوترات الإقليمية


هذا الخبر بعنوان "كتاب «الخيار شمشون: الترسانة النووية الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية»للصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خضم تصاعد التهديدات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، ومع إعلان دول في المنطقة عن اقترابها من عتبات نووية حساسة، يعود إلى الواجهة ملفٌ ظلّ لأكثر من ستة عقود من أكثر القضايا إثارةً للجدل في الشرق الأوسط: البرنامج النووي الإسرائيلي. في هذا السياق، تبرز أهمية العودة إلى كتاب «الخيار شمشون: الترسانة النووية الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية»، للصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش، بوصفه أحد أبرز الأعمال التي تناولت هذا الملف شديد الحساسية.
على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على صدوره، لا يزال الكتاب مرجعاً حيوياً لفهم الأسس السياسية والقانونية التي قامت عليها سياسة الغموض النووي الإسرائيلي. لا تكمن أهميته فقط في المعلومات التي كشفها، بل في كونه صادراً عن صحفي أمريكي معروف، اعتمد على وثائق وشهادات من داخل المؤسستين السياسية والأمنية في الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يمنحه ثقلاً خاصاً في نقاش الانتشار النووي وازدواجية المعايير في النظام الدولي. لا تقتصر هذه القراءة التي يقدمها إبراهيم رضوان على استعراض مضمون الكتاب، بل تتجاوز ذلك إلى فكّ شفرة العقلية الاستثنائية التي تحكم ملفاً يمس أمن الملايين، ويضع مبادئ العدالة الدولية موضع تساؤل.
يركّز هيرش على الكيفية التي تحولت بها إسرائيل، منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى قوة نووية فعلية دون إعلان رسمي، مستفيدةً من تعاون دولي سري، كان أبرز مظاهره الدور الفرنسي في بناء مفاعل ديمونة، ثم من التغطية السياسية الأمريكية اللاحقة التي اختارت "عدم المعرفة" بدل المواجهة. ويشرح الكتاب أن إسرائيل لم تسعَ فقط إلى امتلاك قدرة نووية، بل إلى ترسيخ عقيدة ردع خاصة، أطلق عليها هيرش مصطلح «الخيار شمشون»، في إشارة توراتية إلى شمشون الذي هدم المعبد على نفسه وعلى أعدائه.
المقصود هنا هو استعداد الدولة، في حال شعورها بتهديد وجودي نهائي، لاستخدام قوتها النووية استخداماً شاملاً، حتى وإن أدى ذلك إلى دمار واسع يتجاوز حدودها. هذه العقيدة، كما يعرضها الكتاب، لم تُعلن رسمياً، لكنها ظلت حاضرة في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، وتُستخدم بوصفها ردعاً نفسياً وسياسياً بقدر ما هي قدرة عسكرية. ومع أن بعض التفاصيل الفنية التي كشفها هيرش قد تغيّرت بمرور الزمن، فإن الركائز السياسية والقانونية والاستراتيجية التي تناولها لا تزال قائمة، بل أصبحت جزءاً ثابتاً من بنية العلاقات الدولية في المنطقة.
أحد أبرز المفاهيم التي يتناولها الكتاب هو "الغموض النووي المتعمّد"؛ إذ لا تؤكد إسرائيل امتلاكها للسلاح النووي ولا تنفيه، ولا تخضع منشآتها لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي الوقت ذاته تُعامل دولياً كحليف "مسؤول". سياسياً، حققت هذه السياسة مكاسب واضحة، من بينها: ردع الخصوم دون تحمّل كلفة الإعلان، تجنّب الضغوط والمساءلة القانونية الدولية، والحفاظ على علاقات استراتيجية وثيقة مع القوى الغربية. غير أن السؤال الجوهري يبقى قانونياً: هل يُعفي الغموض الدولة من المسؤولية؟ هذا السؤال يقود مباشرة إلى الإشكاليات التي يثيرها البرنامج النووي الإسرائيلي في إطار القانون الدولي.
من منظور القانون الدولي، يثير هذا الواقع ثلاث إشكالات رئيسية:
سياسياً، يكشف الكتاب أن السلاح النووي الإسرائيلي ليس مجرد وسيلة دفاع، بل أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. فهو يمنح إسرائيل تفوقاً استراتيجياً دائماً، وقدرة على فرض خطوط حمراء غير متكافئة، وهامش حركة واسعاً دون مساءلة فعلية. وتزداد راهنية هذا التحليل اليوم مع تصاعد التهديدات العلنية تجاه إيران، وتصريحات مسؤولين إسرائيليين كادت أن "تكشف البطاقة"، فضلاً عن النقاشات المتكررة في الكونغرس الأمريكي حول شروط الدعم والمساعدات، ما يضع سياسة الغموض نفسها تحت اختبار متزايد.
لا يقدّم كتاب «الخيار شمشون» نظرية مؤامرة، بل يضع القارئ أمام واقع صلب، نظام دولي يُطبّق القانون بانتقائية، ويتسامح مع أخطر أسلحة الدمار الشامل حين تكون في يد الحليف "الصحيح". ومن هنا، لا تكمن أهمية الكتاب في تفاصيله التاريخية فقط، بل في الأسئلة الجوهرية التي يفرضها اليوم: هل يمكن لنظام دولي أن يكون عادلاً ما دام السلاح النووي خارج المساءلة؟ وهل الغموض النووي سياسة ردع، أم اعتراف ضمني بأن القوة ما زالت أعلى من القانون؟ ويبقى السؤال الأعمق: إلى متى يمكن لهذا التوازن القائم على "التابو النووي" أن يستمر في منطقة مليئة بالصراعات؟ وهل يمكن أن يتحول هذا الغموض يوماً من عنصر قوة إلى مصدر تهديد وجودي حقيقي، حين يُساء تقدير النوايا أو تفلت الحسابات من عقالها؟ (أخبار سوريا الوطن2-رأي اليوم)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة