محمد خير الوادي يرصد: أفول المشروع الصهيوني وتراجع الدعم الغربي في عالم متغير


هذا الخبر بعنوان "غروب الزمن الصهيوني" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كتب محمد خير الوادي: على مدى نصف القرن الماضي، خصصت الكثير من مقالاتي لـ"التعبئة"، كاشفاً الطبيعة العدوانية للصهيونية وحاثاً على التصدي لمخططاتها التوسعية. اليوم، أسعى في هذه المقالة لرصد ما آل إليه المشروع الصهيوني في المنطقة، بعد قرن وثلاثة عقود على انطلاقته، وذلك بتجرد وواقعية، لأشارك القراء الكرام رؤيتي الخاصة لواقع هذا المشروع.
على الرغم من الإنجازات الهائلة التي حققتها الصهيونية وكيانها خلال العقود الماضية، إلا أنني أجزم بأن المشروع الصهيوني قد وصل الآن إلى أعلى نقطة يمكن أن يبلغها، وأنه لم يعد قادراً على المضي والارتفاع أكثر وفق الوتائر والصيغ السابقة نفسها. لقد بدأ الآن مرحلة الانحدار، لأن القوة الدافعة له بدأت تفقد زخمها بسبب اهتلاك المحرك. سأوضح هذا الأمر باختصار شديد.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت أوروبا الاستعمارية تتحكم بالعالم. وفي ذلك الوقت، تأسست الحركة الصهيونية كأداة لخدمة المشروعات الاستعمارية الأوروبية. ورغم التزاوج الذي تم بين الاستعمار والصهيونية، وجدت أوروبا أن مصلحتها تكمن في التخلص من المشكلة اليهودية عبر تصديرها إلى المنطقة العربية، وإقامة كيان لليهود الصهاينة هناك. وقد أوكلت أوروبا الاستعمارية للكيان الصهيوني عدة وظائف، منها التصدي لحركة التحرر الوطني العربي التي اشتد ساعدها آنذاك، ومنع العرب من الالتقاء والتوحد، وإشعال الفتن الطائفية والدينية في المجتمع العربي، وأخيراً حماية المصالح الغربية في تلك المنطقة. وبعد الحرب العالمية الثانية، آلت زعامة الغرب إلى أمريكا، التي أضافت بنداً جديداً لوظائف إسرائيل هو مكافحة ما يسمى بالإرهاب، لا سيما العربي والإسلامي منه. ولتمكين إسرائيل من القيام بمهماتها هذه، فتح الغرب خزائنه من المال والسلاح أمام إسرائيل، ووفر لها الحماية السياسية الكاملة. ونتيجة للدعم الغربي اللامحدود، أصبح الكيان الصهيوني قوة كبيرة في الشرق الأوسط.
اليوم، باتت الصورة مختلفة: فالاستعمار بشكله التقليدي اندثر، والغرب انشطر إلى أجزاء متناحرة ومتصارعة، وأوروبا فقدت جل نفوذها العالمي. وزعيمة الغرب – وأقصد أمريكا – رفعت شعار "أمريكا أولاً"، وهي تسير رويداً رويداً نحو الانعزالية. كما أعلنت واشنطن أن جل اهتمامها سيكون منصباً على النصف الغربي من الكرة الأرضية. ثم إن الرئيس ترامب نفسه بات مشغولاً بتوطيد أركان "الترامبية" في أمريكا، وتلميع اسمه كصانع سلام. وقد أفضت هذه التغييرات إلى نتيجة هامة هي أن إسرائيل قد فقدت – بالنسبة للغرب – معظم وظائفها، ولم يعد دعمها المطلق وحمايتها أولوية بالنسبة لمعظم العواصم الغربية. وبذلك تكون إسرائيل قد خسرت أهم شريان يمكنها من الوجود والاستمرار.
ومما زاد الطين بلة بالنسبة لإسرائيل، أن الأعمال الوحشية التي اقترفها نتنياهو، والإجرام الذي ارتكبته حكومة المتعصبين الصهاينة في غزة وفلسطين، قد أزالت الغشاوة التي صنعتها الدعاية الصهيونية عن أعين معظم شعوب الغرب، وكشفت الجوهر العنصري الإجرامي لإسرائيل. ولذلك، انطلقت مظاهرات عارمة ضد السياسة الإسرائيلية في مدن الغرب كلها، وطالب المتظاهرون بمحاكمة قادة الكيان الصهيوني كمجرمي حرب، وأصدرت المحكمة الدولية قراراً باعتقال نتنياهو. وآخر حلقة بهذا الخصوص ما جرى خلال زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى أستراليا، الذي وصل شبه خفية، وغادر كالجرذ المرعوب، خشية من غضب المتظاهرين واحتجاجاتهم. ثم إن نتنياهو الذي كان سابقاً يسرح ويمرح كما يشاء في أوروبا، بات الآن يتحاشى التحليق في الأجواء الأوروبية خوفاً من الاعتقال. هذه الأحداث كلها أحرجت الحكومات الغربية الداعمة لإسرائيل، وأقنعتها أن الكيان الصهيوني لم يفقد وظائفه فقط، بل بات عبئاً على الغرب كله. وبذلك انهار أهم ركن ارتكزت إليه إسرائيل خلال العقود الثمانية الماضية، وهو الدعم الغربي اللامحدود.
أضيف إلى ذلك مجموعة من التغييرات النوعية التي حدثت في المنطقة خلال الفترة القصيرة الماضية، والتي أسهمت في تعميق أزمات الصهيونية. وهذه التغييرات هي:
أولاً: إسرائيل لم تعد القوة العسكرية الوحيدة والمهيمنة في الشرق الأوسط. فالسعودية بات لديها جيش هائل مسلح بأحدث الأسلحة الأمريكية التي كانت ممنوعة على العرب. وتركيا تشغل اليوم موقعاً متقدماً بين الدول الكبرى المصنعة للسلاح، وهي تصدر أسلحة إلى نحو تسعين دولة في العالم. فضلاً عن ذلك، فإن ظهور قوى عالمية جديدة كالصين وروسيا أدى إلى كسر الاحتكار الغربي للسلاح في العالم، وبات بالإمكان الحصول على أسلحة متقدمة ليس من الغرب فقط. ثم إن التقدم العلمي والتقني لم يعد – كما كان في السابق – حكراً على إسرائيل وحدها، بل نشهد نهضة علمية وتقنية عربية تغطي أغلب الدول العربية. بقيت الميزة العسكرية الوحيدة التي تتمتع بها إسرائيل، وهي امتلاكها للأسلحة النووية. وأعتقد أن إنهاء الاحتكار الإسرائيلي في هذا المجال هي مسألة وقت فقط، وهذا سيتم على أيدي السعودية وتركيا وإيران.
ثانياً: لقد كان اللوبي الصهيوني يتحكم في السابق بشكل غير مباشر بمعظم الثروات العربية الموجودة في بنوك الدول الغربية. اليوم، تغير هذا الوضع، وأصبحت الحكومات الوطنية العربية هي صاحبة القول الفصل بثرواتها، وتستخدم هذه الثروات لتطوير بلادها وتعزيز نفوذها الإقليمي والعالمي. وليس من قبيل الصدف أن تكون دول الخليج العربي وجهة لأول جولة خارجية قام بها الرئيس ترامب. هو لم يذهب إلى إسرائيل، بل توجه إلى الدول العربية الغنية، وهذا بحد ذاته مؤشر على عمق الانقلاب الذي يجري في السياسة الخارجية الأمريكية.
ثالثاً: بقيت نقطة هامة بهذا الخصوص لا بد من الإشارة إليها، هي انهيار منظومة ما سمي بـ"الصمود والتصدي والممانعة"، والتي حمت فعلياً إسرائيل خلال عشرات السنين ووفرت لها الأمن والاستقرار. لقد تلطى النظام الأسدي، ومن ورائه إيران وميليشياتها الطائفية، خلف شعارات العداء لإسرائيل ومقاومتها. وقد ثبت أن الهدف الأساسي لتلك اليافطات كان تمكين النظام من ممارسة سياسة القمع والتدمير والقتل لشعبه تحت أقنعة معاداة إسرائيل. إن سقوط منظومة "التصدي والممانعة" هذه شكل خسارة استراتيجية لإسرائيل التي اعتبرت نظام الأسد "هبة إلهية لها"، وهي خسارة جسيمة تضاف إلى مجموعة الانهيارات التي حلت بإسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية.
رابعاً: لقد تراجعت مشروعات وخطط السلام كلها مع إسرائيل، بسبب تعنت الصهاينة وعدم رغبتهم في السلام. فقد انهارت المبادرة العربية للسلام، وتراجعت الاتفاقات الإبراهيمية، وقضت إسرائيل على اتفاقات أوسلو. وكانت النتيجة انهيار فرص السلام العادل مع إسرائيل، وازدياد القناعات الشعبية التي تقول إن إسرائيل كانت ولا تزال جسماً غريباً في المنطقة، وإن التعايش معها يبدو مستحيلاً في ظل سياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية. لقد فوتت إسرائيل فرصاً ثمينة للقبول بها، لكنها أبت وتكبرت، وهي المسؤولة عن تدهور فرص إحلال السلام وإمكانية التعايش المشترك معها في المنطقة. لقد أغلقت إسرائيل بسلوكها العدواني أبواب اندماجها في الشرق الأوسط، وآثرت أن تبقى غريبة معزولة مطاردة بلعنات ضحاياها، وبكراهية شعوب المنطقة كلها، تحيط بها خنادق الكراهية ودعوات الثأر.
هذه الوقائع جميعها تنبئ بحقيقة واحدة: هي أن مصادر القوى الخارجية التي دعمت إسرائيل، وغذت آلتها العسكرية والسياسية خلال السنوات الماضية، باتت على وشك النضوب، وأن إسرائيل لم تعد قادرة – كما تدعي – على التحكم في المنطقة وإدارة شؤونها، وأن بوادر ضعفها صارت بادية للعيان. وكلنا يتذكر نداءات الاستغاثة التي وجهها نتنياهو للرئيس ترامب لمساندة إسرائيل في العدوان على إيران. هذا هو الواقع اليوم، إنه واقع يؤكد بداية ضمور المشروع الصهيوني وأفوله، وتضاعف مشاعر العداء له في المنطقة والعالم. أما غطرسة نتنياهو وتبجحه وعتاده، فلا تعدو أن تكون الحشرجات النهائية لذبول هذا المشروع الصهيوني. بالتأكيد هذا لن يحصل سريعاً، ولكن عملية السقوط بدأت. (أخبار سوريا الوطن2-مركز الوادي للدراسات الأسيوية)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة