الصادرات السورية إلى أوروبا: استراتيجية لتعزيز الثقة وإعادة تفعيل الدور الاقتصادي والسياسي


هذا الخبر بعنوان "تصدير المنتجات السورية إلى أوروبا: تعزيز للثقة وفرصة لبناء شراكات اقتصادية وسياسية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تواصل الدولة السورية جهودها الحثيثة لدفع عجلة التعافي والتنمية الاقتصادية، من خلال العمل الدؤوب على فتح آفاق التصدير أمام المنتجات الصناعية الوطنية إلى الأسواق الأوروبية. تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية حكومية تهدف إلى دعم الصناعات السورية وتعزيز قدرتها التنافسية على المستوى العالمي.
يؤكد باحثون اقتصاديون أن هذا التوجه الحكومي لدعم القطاع الاقتصادي بمختلف مجالاته يمثل امتداداً للجهود السياسية والدبلوماسية التي بذلتها الدولة خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي أثمرت نجاحات نوعية، خاصة فيما يتعلق برفع العقوبات والعودة إلى السوق المالية. ويعتبرون ذلك رديفاً للعمل السياسي الرامي إلى النهوض وتعزيز علاقات التعاون السوري مع دول العالم، بعد سنوات وعقود من القطيعة والعزلة.
يرى الخبير الاقتصادي في التخطيط الاستراتيجي، مهند الزنبركجي، في حديث خاص لـ"الثورة السورية"، أن انفتاح المنتج السوري على الأسواق الأوروبية يشكل فرصة مفصلية لإعادة تفعيل الدور الاقتصادي لسوريا على الساحة الدولية. ويأتي ذلك في ظل بيئة عالمية تتسم بتقاطع المصالح الاقتصادية والسياسية بين الدول. فالوصول إلى السوق الأوروبية لم يعد هدفاً تجارياً بحتاً، بل خطوة نحو تحول شامل في مسار الصناعة الوطنية وتوجه جديد يؤكد قدرتها على التكيف مع المتطلبات الحديثة والمنافسة في أسواق ذات معايير عالية.
وأكد الزنبركجي أن هذا التوجه ينبع من إدراك متزايد لأهمية التصدير كأداة للنمو الاقتصادي. فزيادة الصادرات تسهم في تحريك عجلة الإنتاج واستثمار الطاقات الصناعية المتاحة، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على اليد العاملة وخلق فرص عمل جديدة وتحسين مستويات الدخل. وهذا بدوره يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحد من البطالة، خاصة في المناطق الصناعية. وبذلك، يتحول التصدير من نشاط اقتصادي بحت إلى أداة فاعلة لتحقيق تنمية متوازنة ذات بعد اجتماعي ملموس. كما يدفع التوجه نحو الأسواق الأوروبية الصناعيين إلى تحسين جودة منتجاتهم وتطوير أساليب العمل، مما يرفع من مستوى التنافسية ويمنح المنتج السوري حضوراً أكثر ثباتاً واستدامة في الأسواق الخارجية.
في هذا السياق، تبرز أهمية الدور الذي تؤديه المؤسسات الداعمة للقطاع الصناعي، وعلى رأسها غرفة صناعة دمشق وريفها، من خلال تنظيم جلسات تعريفية وبرامج توعوية متخصصة. تهدف هذه البرامج إلى تأهيل الصناعيين وتمكينهم من فهم متطلبات السوق الأوروبية، سواء على الصعيد الفني أو التشريعي أو الإداري. وتسهم هذه الجهود في بناء قدرات الصناعيين وتعزيز ثقافة الجودة والالتزام، بما يدعم استدامة العملية التصديرية ويحد من المخاطر المرتبطة بها.
من جهة أخرى، وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن أثر تصدير المنتجات السورية إلى أوروبا لا يقتصر على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً سياسية وتنموية أوسع. فتعزيز التعاون الاقتصادي يشكل مدخلاً عملياً لإعادة بناء جسور الثقة وفتح قنوات للحوار والتقارب، مما يهيئ بيئة أكثر إيجابية للتعاون على مختلف المستويات. وغالباً ما تشكل المصالح الاقتصادية المشتركة قاعدة صلبة لعلاقات سياسية أكثر توازناً واستقراراً.
كذلك، تبقى مسألة الالتزام بالمعايير الأوروبية عاملاً حاسماً في نجاح المنتج السوري في هذه الأسواق. فاستعادة ثقة المستهلك الأوروبي تتطلب التقيد بالمواصفات القياسية المعتمدة واحترام معايير الجودة والسلامة والاستدامة البيئية، إلى جانب الدقة في تنفيذ العقود والشفافية في التعامل. كما أن تطوير منظومات الإنتاج والتغليف والتسويق يسهم في تعزيز القيمة المضافة للمنتج السوري ورفع قدرته التنافسية.
يتابع الزنبركجي حديثه بالقول إن ما يعزز فرص نجاح المنتج السوري هو امتلاكه لعدة عناصر قوة، في مقدمتها السمعة الإيجابية التي راكمها عبر سنوات طويلة، إضافة إلى الموقع الجغرافي القريب من أوروبا، الذي يخفف من أعباء النقل والتكاليف اللوجستية. كما يتميز القطاع الصناعي السوري بمرونة إنتاجية وقدرة على التكيف مع متطلبات الأسواق المتنوعة، إضافة إلى توفر طاقات إنتاجية غير مستغلة يمكن توجيهها لخدمة أهداف التصدير والتنمية.
وفي المحصلة، فإن تصدير المنتجات السورية إلى أوروبا يمثل خياراً استراتيجياً يتجاوز تحقيق العائد الاقتصادي المباشر، ليصبح أداة لإعادة بناء الثقة وتعزيز الشراكات الدولية ودعم مسار التنمية المستدامة. إنها عملية تراكمية تتطلب رؤية واضحة وتنسيقاً بين مختلف الجهات والتزاماً مستمراً من الصناعيين، بما يجعل من الاقتصاد جسراً حقيقياً للانفتاح والتكامل مع العالم، وخطوة ثابتة نحو مستقبل أكثر استقراراً وحضوراً على الساحة الدولية.
ويعتبر حصول المنتجات السورية على شهادات دولية معترف بها أمراً ضرورياً لتسهيل ولوجها إلى الأسواق الأوروبية. ومن هذه الشهادات "شهادة OEKO-TEX Standard 100" الخاصة بالمنتجات النسيجية الآمنة، وشهادتا "GOTS" و"OSE" المتخصصتان بالألبسة العضوية، وشهادتا "RCS/GRS" لدعم المنتجات المعاد تدويرها، إضافة إلى شهادتي "ISO 9001" (إدارة الجودة) و"ISO 14001" (الإدارة البيئية)، وشهادة "FSC" الخاصة بالتغليف المستدام.
إن فتح باب التصدير إلى أوروبا له آثار إيجابية مضاعفة على الاقتصاد السوري، لأنه سيعود بالعملة الأجنبية إلى سوريا ويزيد النقد الأجنبي، وهذا بدوره سيسهم في تحريك الأسواق المحلية وينشط حركة البيع والشراء، ويفتح الباب واسعاً أمام فرص عمل جديدة. ويؤكد فؤاد الوادي أن التصدير هو الطريق العملي الوحيد الذي سيحطم قيود وجدران القطيعة والانغلاق، في ظل ضعف القطاعات الإنتاجية الأخرى.
وتبقى الضمانة الوحيدة لتطبيق هذه الخطوة على أرض الواقع متمثلة في التسهيلات والتشريعات التي ستقدمها الدولة لإنجازها بشكل سلس وسهل وضمن شروط ومعايير صارمة تتعلق بالجودة والسلامة وحلقات التوريد. في المقابل، يشدد رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، محمد أيمن المولوي، خلال جلسة تعريفية بعنوان "طريق المنتج السوري إلى أوروبا" عقدت الأسبوع الجاري، على ضرورة التزام الصناعيين السوريين بكل المتطلبات والمعايير الأوروبية والمواصفات القياسية المعتمدة، والدقة في تنفيذ العقود الموقعة، وتوسيع هذا الالتزام ليشمل كل القطاعات الصناعية.
وأكد المولوي أن هذا التوجه يأتي في إطار استراتيجيات الدولة لدعم الصناعات السورية وتعزيز تنافسيتها على المستوى العالمي، وهذا ما يتوافق مع ما قاله عضو غرفة صناعة دمشق حول متطلبات الأسواق الأوروبية نحو الاستدامة البيئية والتحول الرقمي، مشيراً إلى نقاط القوة في المنتج السوري، كالسمعة الجيدة والقرب الجغرافي من أوروبا والمرونة الإنتاجية وانخفاض التكاليف اللوجستية، بالإضافة إلى توفر قدرات إنتاجية غير مستغلة.
وخلال الجلسة، تم استعراض نتائج الزيارة الاستطلاعية إلى إيطاليا، التي قامت بها الغرفة في تشرين الثاني الماضي، وشملت لقاءات مع اتحادات صناعية وشركات أوروبية، والمشاركة في دورات تدريبية بالمركز الدولي للتدريب التابع لمنظمة العمل الدولية، وعرض الدليل الإرشادي الذي أعدته الغرفة لتحويل المفاهيم النظرية المتعلقة بالتصدير إلى خطوات عملية تلائم الظروف المحلية. وتمثل هذه الجلسة خطوة عملية ضمن استراتيجية الغرفة لتعزيز تنافسية المنتج السوري وترسيخ حضوره في الأسواق الدولية، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وفتح آفاق جديدة للتصدير والتنمية الصناعية المستدامة.
تعمل الحكومة من خلال "هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات" على تحفيز الإنتاج المحلي وخلق فرص تصديرية واعدة له، من خلال تعزيز العمل بالبرامج والآليات والحوافز الداعمة للعملية التصديرية، لكونها تعد واحدة من أهم مصادر القطع الأجنبي، ولا سيما المنتجات التي تمتلك فيها سوريا ميزة تنافسية عالية. ويرتكز عمل الهيئة على دعم وتعزيز الصادرات وتشجيع الاستثمار وتنمية وتطوير الإنتاج المحلي وتعزيز تنافسيته، من خلال التعاون مع الجهات المعنية في برامج إعادة إعمار المؤسسات والشركات الإنتاجية السورية بما ينسجم مع مهام الهيئة التي تؤدي دوراً مهماً في إقامة مناطق اقتصادية نوعية، بما يخدم هدف تطوير الإنتاج المحلي والصادرات.
تسهم الهيئة في دعم نشاطات اتحادات الغرف وغرف الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة واتحاد المصدرين واتحاد الحرفيين واتحاد الفلاحين وفق خطط مسبقة بما يتوافق مع أولويات التنمية، كما تعمل على تطوير التشريعات والأنظمة لتعزيز الدور التنموي للإنتاج المحلي والصادرات، والمساعدة في إزالة العقبات التي تعترض المنتجين والمصدرين في عملهم. كما تعمل الهيئة على الترويج للإنتاج المحلي وللشركات السورية داخلياً وخارجياً من خلال المشاركة في المعارض والمؤتمرات والندوات، وإقامة حملات الترويج متعددة الأغراض والنشاطات، وإصدار النشرات الدورية والسنوية عن أنظمة التجارة السورية والدولية وغيرها، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة، وفق ما أوضح مدير الهيئة.
وهناك صناعات غذائية ونسيجية سورية تعمل بجودة ممتازة، وتسعى الجهات المعنية للحفاظ على استمراريتها وتعزيز وجودها في الأسواق الخارجية. وتشكل المعارض جزءاً جوهرياً من استراتيجية الترويج للمنتجات السورية سواء في السوق المحلية أو للتصدير، لكن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الدعم المالي اللازم لتنظيم هذه المعارض والمشاركة الفاعلة بها. ويتم العمل على إعادة تفعيل صندوق دعم الصادرات المتوقف، وهو الجهة المسؤولة عن تمويل المشاركة في المعارض الدولية، الذي حال دون تقديم المساعدات اللازمة للشركات السورية.
تعد المنتجات الزراعية، ولا سيما زيت الزيتون السوري، من المنتجات الاستراتيجية التي يجب دعمها بقوة، وخاصة في ظل توافر فائض في الإنتاج وضرورة الحفاظ على الجودة والسمعة العالمية لهذا المنتج. ودعم صادرات هذا المنتج مستمر بنسبة 7 بالمئة، كما يتم العمل على تفعيل برامج موسمية تتغير حسب الحاجة، مثل برامج سابقة كدعم الحمضيات والتفاح، التي ساهمت في تخفيف الأعباء عن الفلاحين والمصدرين، عبر تحمل جزء من تكاليف النقل والشحن إلى الأسواق الخارجية.
تم إحداث "هيئة دعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات" بالقانون رقم 3 للعام 2016 لتحل محل هيئة تنمية وترويج الصادرات المحدثة بالمرسوم رقم 9 للعام 2009، لتحقيق التكامل الفعال بين القطاع الإنتاجي والقطاع التصديري عبر تنفيذ أنشطة وبرامج متنوعة تفيد في تخفيض تكاليف العملية الإنتاجية، وزيادة القدرة التنافسية للصادرات السورية، بما يخدم تطور ونمو الاقتصاد والمجتمع السوري.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد