«هل نملك ثمن النجاة؟»: يامن يبيع دراجته النارية لإنقاذ قلبه في ظل أزمة الرعاية الصحية بسوريا


هذا الخبر بعنوان "باع دراجته النارية ليشتري قلبه" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قصة تعكس واقعاً مؤلماً، أقدم يامن على بيع دراجته النارية، وسيلته الوحيدة للعمل، ليتمكن من شراء قلبه، أو بالأحرى، ثمن علاجه. سلّم يامن المفاتيح، وقبض 5 ملايين ليرة و200 ألف ليرة، ثم عاد إلى منزله سيراً على الأقدام، وكأنه يتدرب على فقدان المزيد من الأشياء تحت وطأة الحاجة في المستقبل، وفقاً لما نقله سناك سوري عن رحاب تامر.
بدأ الألم مبكراً تلك الليلة، عند الثامنة مساءً، حيث ضغط يامن بيده على صدره محاولاً تهدئة وجع يتسع بلا استئذان. قال لزوجته إنه مجرد تعب عابر، لكن الخدر في يده وملامح وجهه المتعبة كانت أبلغ من كلماته. في الصيدلية، لم يستطع الجلوس، بل اتكأ على الطاولة الزجاجية، شاحب الوجه، ليستمع إلى الجملة التي لم يكن يريد سماعها: «عالمشفى فوراً». خرج يامن رافضاً الفكرة، ليس لأنه ينكر الخطر، بل لأنه كان يعلم جيداً ثمن الاعتراف به.
عند الحادية عشرة ليلاً، لم يعد الألم قابلاً للتجاهل؛ صدره يضيق، أنفاسه قصيرة، والليل أطول من طاقته. في المشفى الحكومي، تمدد على سرير معدني بارد، والضوء الأبيض فوق رأسه قاسٍ، ورائحة المعقم تملأ المكان. أعطوه أدوية وطلبوا منه انتظار الصباح. في الصباح، قال الطبيب كلماته بهدوء: القلب يحتاج تدخلاً عاجلاً، قثطرة وغالباً شبكة. سأل يامن عن السعر قبل سؤاله عن المخاطر، وحين سمع رقم 12 مليون ليرة، نهض وفرّ هارباً.
داخل البيت المستأجر، جلست زوجته أمام ورقة صغيرة، تحسب وتعيد الحساب. راتبها يذهب للإيجار، ويوميته كعامل في مغسلة سيارات بالكاد تطعمهم. طفلهما، ذو السنوات السبع، كان يخربش على الورق، يراقب التوتر ويحاول فهم ما يجري وهو يعرض خربشاته منتظراً نيل الكلمات التي اعتادها «برافو، أحسنت»، لكنه لم يسمعها هذه المرة. لم تثمر اتصالات الاستدانة كثيراً؛ فالجميع متعب، مثقل، ولا يملك أكثر من قوت يومه إن امتلكه. بحثوا عن مشفى أقل كلفة، وكأنهم يبحثون عن قلب يقبل الخصم!
في بلد يعيش 90% من سكانه تحت خط الفقر وفق تقارير أممية، بلغت كلفة قثطرة قلبية وغالباً شبكة في مركز القلبية الحكومي 14 مليون ليرة، وفي مشافي الحكومة بالمحافظة القريبة بلغت 12 مليون ليرة. وفي المشافي الحكومية الأخرى، كانت الكلفة 13 مليون ليرة في إحداها و9 ملايين ليرة في الأخرى. أما المشافي الخاصة، فكان أقل رقم 16 مليون ليرة. فوقع الخيار على «مشفى الـ9 مليون»، وبقي تأمين المال.
في وقت سابق من عام 2025، صرّح مدير مشفى حلب الجامعي، بكري صالح دبلوني، أن المشفى بات مأجوراً بنسبة 40%. وفي عموم سوريا، لم تعد المشافي الحكومية مجانية، خصوصاً للأمراض التي تتطلب أدوات خارجية مثل الشبكة القلبية ومستلزمات العمليات الجراحية للكسور الكبيرة.
الدراجة النارية كانت متكئة في الزاوية، وسيلة يامن إلى العمل، وربما آخر ما يملكه. باعها دون جدال، ولم يقل شيئاً حين عاد بدونها. بعد أسبوع من انتظار تأمين المال الذي انتهى ببيع الدراجة النارية، وتأمين 2 مليون ليرة من جمعية شهرية أجرتها الزوجة مع أصدقائها في العمل وقبضتها مباشرة، وتبرع وصل إلى نحو 2 مليون ليرة ونصف، دخل يامن غرفة العمليات. خرج منها أخف قثطرة فقط بكلفة 2 مليون و400 ألف ليرة، ولم يكن بحاجة للشبكة. اطمأن على النقود المتبقية قبل قلبه، ثم غطّ في نوم عميق ينشد الراحة.
لكن الراحة مكلفة أيضاً؛ شهر كامل بلا عمل مجهد كما طلب الطبيب منه. في عرف يامن، هذا يعني شهر كامل بلا دخل، بلا طعام. كانت راحة لجسده لا لقلبه المتخم بالفقر والعوز. هذه القصة حدثت في كانون الثاني الفائت، ولم يُذكر اسم المكان عمداً، لأن يامن يمثل غالبية السوريين، الذين حين يمرضون لا يسألون «هل سننجو»، بل «هل نملك ثمن النجاة»؟!
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي