اغتيال سيف الإسلام القذافي: نهاية «الخيار الثالث» وتصاعد تعقيدات المشهد السياسي الليبي


هذا الخبر بعنوان "ليبيا بعد سيف القذافي… أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع" نشر أولاً على موقع worldnews-sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سياق إعادة ترتيب الأوراق المبعثرة والبحث عن استعادة التوازن في ليبيا، لم يكن غياب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي مجرد انسحاب لشخصية سياسية من «لعبة الكراسي» المتآكلة. بل يمثل هذا الغياب إيذانًا بأفول «الخيار الثالث» الذي اعتبره الكثيرون «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. مع سقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية الليبية تُفهم كخريطة نفوذ انتخابي مقسمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت سابقًا. فقد أضاف «زلزال» اغتيال سيف تعقيدات جديدة إلى المشهد المعقد أصلاً، مما يؤثر بشكل مباشر على مسار «المصالحة الوطنية» ويؤدي إلى إطالة أمد الصراع السياسي وتأخير عقد الانتخابات المأمولة.
ظل سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر يناهز 53 عامًا، يُنظر إليه من قبل ليبيين، بمن فيهم أنصاره، على أنه الوجه الإصلاحي لنظام والده والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس. أما الآن، فمن المتوقع أن تتحول المساحة التي تركها «الخيار الثالث» إلى ساحة صراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.
مع ذلك، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن وفاة سيف «لن يترتب عليها أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام». في المقابل، يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».
مفترق طرق تاريخي: تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق تاريخي حاسم؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي الراهن إلى ظهور بدائل وطنية جديدة قادرة على إنقاذ البلاد، وإما أن تبقى الأوراق مبعثرة في انتظار معجزة تجمع الشمل، في مشهد لم يعد يحتمل المزيد من المغامرات أو المماطلة. تعاني ليبيا، منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعًا مريرًا على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية، منذ قدومها إلى ليبيا، للعمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، دون إحراز تقدم ملموس حتى الآن. وتواصل المبعوثة الأممية هانا تيتيه مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعيًا للتوصل إلى نتيجة قبل التوجه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» لإجراء الانتخابات.
يسبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم قاتله حتى الآن، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه. في مناطق عدة بوسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبة له يتلقون العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريبًا، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». فقد ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقاله من قبل «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.
التحقيق في الاغتيال: فتحت النيابة العامة في طرابلس تحقيقًا في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقًا يضم أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان، حيث فحصوا جثته التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة. خلفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار، ومن بينهم شقيقه الساعدي، عدّوها «استفتاءً شعبيًا ووطنيًا على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي». عكس «التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة قدرًا من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في الأيام المقبلة، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. عدّ أبو سبيحة «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعدًا من حديثه توبيخًا دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».
إرباك المشهد السياسي: كان ظهور سيف الإسلام، بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». في هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره، قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علمًا بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها. حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطًا زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي. أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.
يرى محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءًا للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفًا على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة… وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيدًا عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».
الأسرة القذافية… والولاءات المحلية: تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حاليًا لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي. وظل فريق سيف القذافي، الذي يقوده أبو سبيحة، منخرطًا في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة». راهنًا، يتخوف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصًا إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.
حقًا، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:
هنا يسلط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقدًا أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عامًا لم يفعل شيئًا، ولم يقدم مشروعًا سياسيًا لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».
«ليبيا الغد»: جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة – رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده. ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيدًا». وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».
هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوبًا) وزليتن وصبراتة (غربًا). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».
وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة