الحب: رحلة عميقة بين دلالات اللغة وتأملات الفلسفة ورؤية علي نفنوف الوجودية


هذا الخبر بعنوان "الحب بين اللغة والفلسفة: من الشَّغاف إلى احتراق المطر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: علي نفنوف
يُعدّ الحب كلمةً سهلة النطق، مألوفة التداول، ينطقها الجميع دون عناء ويحفظها الصغار قبل الكبار، وكأن معناها واضحٌ لا يحتاج إلى تفسير. غير أن المفارقة العميقة تكمن في أن هذه الكلمة السهلة في اللغة، عسيرةٌ في الحياة. فبينما يعرف البشر جميعًا معنى الحب في المعاجم، ينجح قليلون فقط في معايشته. نحفظ تعريفه، لكننا نتعثر في تطبيقه، ونتغنى به شعرًا، لكننا نرتبك أمام امتحانه واقعًا. يبدو الأمر وكأن الحب مفهومٌ لغوي مشاع، وتجربةٌ وجودية نادرة. من هنا تنشأ الحاجة إلى إعادة مساءلة هذا المفهوم: كيف فهمته اللغة؟ وكيف تأملته الفلسفة؟ وكيف يمكن للإنسان أن يعيشه دون أن يفقد ذاته؟
تميّزت اللغة العربية بقدرتها الفائقة على تفصيل درجات الحب، فلم تكتفِ بكلمة واحدة، بل جعلته طيفًا من الحالات الشعورية المتصاعدة. يبدأ بالهوى، وهو ميل القلب والبداية الخفية للانجذاب. ثم تأتي العلاقة، وهي تعلّق النفس بالمحبوب. ويشتد الأمر ليصير كَلَفًا، وهو تعلّق مصحوب بمشقة. فإذا بلغ الحب شَغاف القلب، سُمّي شغفًا. أما العشق، فهو تجاوز الاعتدال. وفي الألم الناتج عنه يظهر الوجد والصبابة. ويصبح الحب غرامًا إذا لزم القلب ولم يفارقه. ويبلغ أقصاه في الهيام، حيث يذوب العاشق في معشوقه. وهناك معانٍ أكثر صفاءً مثل الخُلّة والوُدّ والوِداد، التي تشير إلى الثبات والرحمة والنقاء. بهذا الثراء، يبدو أن العربية لم تترك درجةً من درجات الحب دون تسمية، وكأنها أدركت مبكرًا أن الحب ليس شعورًا بسيطًا، بل مسارًا نفسيًا وروحيًا كاملًا.
تعددت رؤى الفلاسفة حول مفهوم الحب وتجلياته. عند أفلاطون، الحب سلّمٌ نحو الجمال المطلق. أما أرسطو، فرأى فيه صداقة الفضيلة وإرادة الخير للآخر. وعرّف باروخ سبينوزا الحب بأنه فرحٌ يزيد من قدرة الإنسان على الوجود. ورأى جان بول سارتر أنه توترٌ بين حريتين، بينما شددت سيمون دي بوفوار على ضرورة بقاء الذات مستقلة داخل العلاقة. وفي فلسفة مارتن بوبر، الحب لقاء وجودي حقيقي بين “أنا” و”أنت”. أما أوغسطينوس، فاعتبره توجيهًا للإرادة، في حين رأى فريدريش نيتشه في بعض أشكاله إرادة امتلاك مع تمجيده لحب القدر. وذهب آرثر شوبنهاور إلى اعتباره خدعة من إرادة الحياة. بينما قدّم إريك فروم رؤية عملية للحب بوصفه فنًا أخلاقيًا يتعلمه الإنسان.
وفي البعد الروحي، رأى ابن عربي الحب سرّ الوجود، بينما جعله جبران خليل جبران طريقًا للنضج عبر الألم، وحوّله نزار قباني إلى ثورة شعرية على القيود.
في رؤيته الفلسفية الوجودية، يرى الكاتب علي نفنوف أن الحب ليس مجرد مفهوم أخلاقي أو تجربة عاطفية، بل هو حالة وجودية قصوى. الحب هو احتراق… لكنه احتراق يشبه احتراق المطر. فالمطر يفنى ليمنح الأرض حياة، وكذلك العاشق يفنى ليمنح المعنى خصوبة. وهو أيضًا برودة النار؛ نارٌ لا تلتهم الجسد بل تذيب الداخل بصمت، تمنح دفئًا لكنها تُبقي في الروح رجفةً دائمة. يؤكد نفنوف أن الحب ليس امتلاكًا ولا مجرد فضيلة، ولا خدعة بيولوجية. إنه اختيار واعٍ للهشاشة، اختيار أن تنكشف، أن تُعرّي قلبك، أن تقبل التغيّر. فإذا كانت الكلمة سهلة النطق، فإن عيشها يتطلب شجاعة نادرة.
الحب كلمة يعرفها الجميع، لكن قلّة فقط يجرؤون على احتمال معناها الكامل. هو في اللغة درجات، وفي الفلسفة رؤى، وفي التجربة نارٌ ومطر. وربما يكون جوهره — كما يرى الكاتب — أن نحترق بوعي ونبرد في النار ونمطر داخل أنفسنا… حتى نزداد حياة.
اللوحة للفنانة التشكيلية اللبنانية ريما عوام (موقع: اخبار سوريا الوطن).
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة