سياسة

تقويض العدالة: لماذا لا يمكن حصر محاسبة الجرائم الممنهجة في الشكوى الفردية؟

zamanalwsl١٥ شباط ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٩ ص5 مشاهدة
تقويض العدالة: لماذا لا يمكن حصر محاسبة الجرائم الممنهجة في الشكوى الفردية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "القتلى لا يشتكون: لماذا تسقط العدالة بشرط الشكوى الفردية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إن تقييد مسار العدالة في مرحلة ما بعد انهيار الأنظمة الشمولية بضرورة تقديم "شكوى فردية" و"دليل شخصي" لا يمثل مجرد خلل إجرائي، بل هو هدم لمفهوم العدالة في جوهره وتبرئة مستترة للجرائم الممنهجة. يؤكد التاريخ والشرع والقانون الدولي على حقيقة ثابتة: حينما ترتقي الجريمة لتصبح سياسة دولة، فإن مسؤولية المحاسبة تقع على عاتق الدولة.

أولاً: دروس مستفادة من التاريخ (من نورمبرغ إلى الأرجنتين)

لم تُبنَ العدالة في العصر الحديث على الجهود الفردية للضحايا، بل اعتمدت على إرادة الأنظمة البديلة في تطهير المجتمع من آثار القمع:

  • محاكم نورمبرغ: اعتُبر الانتماء إلى أجهزة القمع، مثل الـ SS والـ Gestapo، قرينة جرمية كافية للمساءلة. لم يُشترط على كل ضحية فُقدت في المحارق تقديم شكوى فردية، بل كانت الأوامر والوثائق والمناصب هي الأدلة الأساسية.
  • تجربة الأرجنتين وجنوب أفريقيا: ارتكزت على فتح الأرشيفات والاعترافات المنهجية. فالدولة هي الجهة التي تمتلك الدليل (الأرشيف)، بينما تملك الضحية الألم، ومن غير المنصف تحميل الضحية عبء استخراج الأدلة من أقبية الجناة.

ثانياً: التأصيل الشرعي (سياسة عمر ومنهج علي رضي الله عنهما)

لم تكن العدالة في الإسلام "عدالة انتظار" بل "عدالة مبادرة" وفعالة:

  • المحاسبة بالشبهة: لم يتوقف عزل عمر بن الخطاب لولاته، مثل سعد بن أبي وقاص، على إثبات جنائي كامل، بل استند إلى "الشكوى العامة" وفقدان الثقة، وذلك إعلاءً لمصلحة الأمة.
  • فقه الحرابة والإفساد: يُعد التعذيب الممنهج والإخفاء القسري "إفساداً في الأرض" وحدّاً من حدود الله. وتنص القاعدة الفقهية على أن "الحقوق العامة لا تسقط بسكوت الأفراد"، وتُقام الحدود بمجرد بلوغ العلم للحاكم دون توقف على دعوى المدعي.

ثالثاً: التوصيف القانوني والمنطقي (أين الصناديق السوداء؟)

من غير المنطقي اشتراط حضور "المقتول" ليتقدم بشكوى ضد قاتله، أو "المغيب" ليدل على سجانه. إن إقرار مبدأ "الشكوى أولاً" يؤدي إلى نتائج وخيمة، منها:

  • إفلات كبار المجرمين الذين أمروا بالقتل الجماعي، حيث لا تعرف الضحايا أسماءهم.
  • تحويل الجريمة العامة إلى نزاع خاص، وكأن التعذيب الممنهج مجرد "مشاجرة" بين فردين.

لذا، فإن الاستحقاق القانوني المطلوب من وزارة العدل يتمثل في:

  • اعتماد المسؤولية الوظيفية: يُعتبر كل من شغل منصباً قيادياً في فرع أمني أو سجن عسكري موضع اتهام بصفته الوظيفية حتى يثبت العكس، مما يعكس عبء الإثبات.
  • استرداد الأرشيف الجرمي: تحتوي كل فرع أمني على "صناديق سوداء" تضم سجلات اليومية، وأوامر التوقيف، وتقارير "توفي أثناء التحقيق". ويُعد غياب هذه الملفات جريمة "إخفاء أدلة" تستوجب محاكمة القائمين على تلك الفروع.

إن واجب وزارة العدل اليوم هو فتح "الدعوى العامة" ضد هيكلية القمع برمتها، لا ضد أفرادها فحسب. ولا تكتمل العدالة الانتقالية بقضاة كانوا بالأمس أدوات في منظومة الظلم، بل تتطلب نيابة عامة مستقلة تعتبر "الفيديوهات الموثقة، وشهادات المنشقين، وتقارير المنظمات الدولية" أدلة رسمية كافية لتحريك الملفات. إن حصر العدالة في زاوية "الشكوى الشخصية" ليس إلا إعادة تدوير للجريمة تحت غطاء القانون.

المصدر: زمان الوصل

شارك الخبر: