الإنتاج أولاً: خبراء اقتصاديون يرسمون خارطة طريق التعافي الاقتصادي في سوريا


هذا الخبر بعنوان "الإنتاج أولاً.. هل يبدأ التعافي الاقتصادي من بوابة الصناعة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظلّ مؤشّرات نقدية متقلّبة وضغوط معيشية متزايدة، يتجدّد النقاش حول الأولويات الاقتصادية للمرحلة الراهنة. هل يكفي التركيز على ضبط سعر الصرف وكبح التضخّم لتحقيق الاستقرار؟ أم أنّ التعافي الاقتصادي الحقيقي يتطلّب إعادة بناء قاعدة إنتاجية قوية؟ يرى خبراء اقتصاديون، كما يطرح هلال عون، أن أيّ تحسّن نقدي يبقى هشّاً ما لم يستند إلى دعم فعلي للقطّاعات الإنتاجية، مؤكّدين أن الصناعة والزراعة والطاقة هي المفاتيح الأساسية للانتقال من مجرّد إدارة الأزمات إلى مسار تنموي مستدام.
يؤكّد الخبير الاقتصادي الدكتور حسام عايش أن الاقتصاد السوري بحاجة ماسّة إلى إعادة ترتيب أولوياته، بوضع دعم الإنتاج المحلي في مقدّمة السياسات الاقتصادية. ويوضح عايش، في تصريحات لصحيفة “الثورة السورية”، أن أيّ تحسّن في سعر الصرف أو تراجع في معدلات التضخّم لن يكون مستداماً دون وجود قاعدة إنتاجية حقيقية. ويعتبر أن التحسّن النقدي بمعزل عن الإنتاج يبقى شكلياً وعرضة للاهتزاز أمام الصدمات الداخلية أو الخارجية.
ويضيف الدكتور عايش أن مرحلة التعافي، خاصة في بلد يخرج من حرب طويلة ويدخل مرحلة إعادة الإعمار، تستدعي إعطاء الأولوية لإعادة تشغيل عجلة الإنتاج في القطّاعات الحيوية مثل الزراعة والصناعة والأمن الغذائي والدواء ومواد البناء والخدمات الإنتاجية. هذا من شأنه أن يسهم في إعادة توطين السكان وتحسين ظروف معيشتهم.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور جمعة حجازي أن التعافي الصناعي لا يزال ممكناً من الناحية النظرية. إلا أن المؤشّرات الرقمية الراهنة، مثل تنفيذ 16.7% فقط من المشاريع المرخّصة وهيمنة المشاريع الصغيرة بنسبة تقارب 72.8%، تكشف بوضوح أن القطّاع الصناعي يعمل حالياً في نمط “البقاء” لا “التنمية”. هذه الفجوة الواسعة بين الطموحات المعلنة والواقع التنفيذي تشكّل عائقاً كبيراً.
ويشدّد الدكتور حجازي على أن أيّ تعافٍ صناعي حقيقي يجب أن يبدأ من خارج القطّاع نفسه، موضحاً أن الصناعة لا يمكن أن تنهض في بيئة اقتصادية كلّية مختلّة. ويضع شروطاً أساسية لذلك، تتمثّل في كبح التضخّم ووقف تدهور سعر الصرف، وتوفير سيولة حقيقية موجّهة للاستثمار الإنتاجي طويل الأجل، بعيداً عن اقتصاد المضاربة والأنشطة الريعية. كما يرى أن إعادة إعمار البنى التحتية، وخاصة قطّاع الطاقة، بشكل منتظم وكافٍ وبأسعار مدروسة، تُعدّ شرطاً حاسماً لانتقال الصناعة من حالة “البقاء” إلى مسار التنمية.
يُعدّ استقرار سعر الصرف أحد أبرز التحدّيات الاقتصادية نظراً لتأثيره المباشر على مستويات التضخّم والأسعار. فقد أدى تذبذب قيمة العملة الوطنية إلى حالة من عدم اليقين في الأسواق، مما انعكس ارتفاعاً مستمراً في أسعار السلع الأساسية والخدمات. ويُحذّر من أن الاعتماد المفرط على الأدوات النقدية دون دعم حقيقي للإنتاج قد يعمّق الفجوة بين العرض والطلب، كما أن تعدّد أسعار الصرف يشكّل عبئاً إضافياً على النشاط الاقتصادي ويحدّ من فعالية السياسات النقدية.
ويؤكّد الدكتور عايش أن السياسات النقدية وسعر الصرف يجب أن تكون أدوات تخدم هدف إعادة تنشيط الإنتاج، لا غايات بحدّ ذاتها. ويعتبر أن استقرار سعر صرف الليرة مهمّ لتأمين بيئة نقدية أكثر استقراراً تسمح بالتخطيط، إلا أن الإنتاج والعمل يجب أن يكونا في الصدارة، لأن استقرار سعر الصرف والتضخّم يأتيان كنتيجة لاحقة للنشاط الإنتاجي، لا العكس.
ويتّفق هذا الطرح مع رؤية الدكتور حجازي، الذي يشدّد على أن كبح التضخّم ووقف تدهور سعر الصرف شرطان يمهّدان لأيّ مسار تعافٍ، على أن يقترنا بسياسات نقدية ومالية تؤمّن سيولة حقيقية موجّهة للإنتاج، لا أن تُستنزف في أنشطة ريعية أو مضاربات قصيرة الأجل.
كما يؤكّد الدكتور عايش أن دعم الإنتاج لا يعني الاكتفاء الذاتي فقط، بل يتطلّب سياسات عملية، أبرزها توفير الكهرباء والمياه والاتصالات بأسعار وجودة مناسبة، وتسهيل استيراد المواد الأولية عبر سياسات جمركية مرنة، إضافة إلى التركيز على التمويل الصغير والمتوسّط لدعم المزارعين وأصحاب الورش والمشاريع الصغيرة، بدلاً من الاكتفاء بتمويل كبار المستثمرين.
أسهم ارتفاع معدلات التضخّم في تآكل الدخل الحقيقي للأسر السورية، خاصة أصحاب الدخل المحدود، مما أدى إلى تراجع قدرتهم على تلبية الاحتياجات الأساسية. ورغم رفع الرواتب بنسبة 200%، إلا أن هذه الإجراءات غالباً ما تفقد فعاليتها سريعاً أمام موجات الغلاء المتلاحقة.
في هذا السياق، يؤكّد الدكتور عايش أن تحسين مستوى معيشة المواطنين يجب أن يكون الهدف المركزي للسياسات الاقتصادية، لأن الاقتصاد وُجد لخدمة الناس. ويُحذّر من أن غياب العدالة والحماية الاجتماعية قد يقوّض أيّ إنجاز اقتصادي محقّق، مهما كانت مؤشّرات النمو إيجابية.
ويرى الدكتور حجازي أن استمرار ضعف الإنتاج، وبقاءه محصوراً في مشاريع صغيرة ذات طابع معيشي أو دفاعي، يحدّ من قدرته على خلق فرص عمل كافية ومستقرة، ويُبقي أثر أيّ نمو محتمل محدوداً على مستوى المعيشة. ويؤكّد أن تحسين الدخل لا يمكن فصله عن إعادة إحياء الصناعات المتوسطة والكبيرة القادرة على توليد قيمة مضافة مرتفعة.
ويحدّد الخبيران ثلاثة محاور أساسية يجب أن ينعكس عليها تحسين المعيشة:
يُعدّ الاستثمار أحد المفاتيح الأساسية لإعادة تحريك الاقتصاد السوري، غير أن البيئة الاستثمارية لا تزال تواجه تحدّيات أبرزها ضعف البنية التحتية، وتعقيد الإجراءات الإدارية، وعدم الاستقرار التشريعي.
ويرى الدكتور عايش أن مرحلة التعافي تتطلّب شراكة حقيقية لا شكلية بين القطّاعين العام والخاص، تقوم على دور الدولة كمنظّم ومراقب وحامٍ للمنافسة ومانع للاحتكار، لا كشريك خفي مع مجموعات محدّدة. كما يؤكّد ضرورة إتاحة الفرص الاستثمارية بشكل عادل وشفّاف لجميع المستثمرين، مع عقود واضحة وبيئة قانونية مستقرة، وقضاء مستقل يحمي الملكية والعقود، بما يشجّع عودة رأس المال السوري من الداخل والخارج.
وفي السياق نفسه، يشدّد الدكتور حجازي على أن توفير بيئة قانونية وتنظيمية جاذبة يتطلّب إصلاحاً جذرياً للإجراءات البيروقراطية، واستقراراً تشريعياً واضحاً، ووضع قوانين تحمي الاستثمارات الوطنية وتشجّع الاستثمار طويل الأمد.
ويعتبر الدكتور عايش أن نجاح إعادة الإعمار مرهون بثلاثة شروط أساسية: الشفافية، وسيادة القانون، وبناء الثقة، مشيراً إلى أهمية ربط الاقتصاد السوري بسلاسل قيمة إقليمية مع دول الجوار لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي. بينما يرى الدكتور حجازي أن إعادة الاندماج مع الاقتصادين الإقليمي والدولي تبقى شرطاً مكمّلاً للتعافي.
ترتبط آفاق الاقتصاد السوري بعوامل متداخلة، من بينها تطوّرات المشهد السياسي، ومستوى الانفتاح الاقتصادي الإقليمي، وقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات إدارية واقتصادية حقيقية. وفي حال التركيز على دعم القطّاعات الإنتاجية، وتحسين إدارة الموارد، وتعزيز الثقة بالبيئة الاقتصادية، يمكن تحقيق تعافٍ تدريجي، وإن كان بطيئاً.
غير أن الدكتور عايش والدكتور حجازي يحذّران من أن غياب الشروط البنيوية للتعافي، لا سيّما الاستقرار الاقتصادي الكليّ، والطاقة، والبيئة القانونية، والانفتاح الإقليمي، سيُبقي الاقتصاد في دائرة إدارة الأزمة، مع تحسّنات جزئية وهشّة سرعان ما تتبدّد أمام أيّ صدمة داخلية أو خارجية.
المصدر: أخبار سوريا الوطن-الثورة السورية
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد