سوق العقارات في الحسكة: جمود غير مسبوق بفعل الصراع العسكري وتعطيل المؤسسات


هذا الخبر بعنوان "جمود يضرب سوق العقارات في الحسكة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة حالة من الجمود غير المسبوق في سوق العقارات، حيث تراجعت عمليات البيع والشراء بشكل ملحوظ. يأتي هذا التباطؤ عقب العمليات العسكرية التي شنها الجيش السوري ضد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، والتي أسفرت عن سيطرة الجيش على مساحات واسعة من ريف المحافظة، بينما لا تزال مناطق حيوية، بما في ذلك مركز مدينة الحسكة، خاضعة لسيطرة "قسد". هذا التراجع يعكس الوضع الأمني والعسكري المتقلب الذي أثر مباشرة على القطاعات الاقتصادية كافة في المنطقة، وعلى رأسها قطاع العقارات، الذي يُعتبر مؤشراً رئيسياً للاستقرار أو الاضطراب في أي منطقة تشهد تحولات ميدانية.
مخاوف أمنية تعرقل القرارات
وفقاً لما أفاد به عدد من أهالي الحسكة لـ "عنب بلدي"، فإن المخاوف الأمنية المستمرة واحتمالية تغير خارطة السيطرة في أي لحظة، دفعت بالعديد من السكان إلى تجميد قراراتهم المتعلقة بالبيع أو الشراء، مفضلين الانتظار حتى تتضح الرؤية بشكل كامل.
في هذا السياق، صرح أحمد التركي، وهو موظف مقيم في أحد أحياء مدينة الحسكة، لـ "عنب بلدي" بأن عائلته كانت تخطط لبيع منزلها والانتقال إلى حي آخر، "لكن بعد التطورات الأخيرة، فضلنا التريث، فالوضع غير مستقر، ولا أحد يستطيع التكهن بما ستؤول إليه الأمور خلال الأسابيع القادمة".
وأوضح التركي أن "الخشية من أي تصعيد جديد، أو تكرار موجات النزوح التي شهدتها المنطقة سابقاً، تدفع الناس إلى الإحجام عن اتخاذ قرارات مصيرية كبيع منزل أو شراء عقار جديد". وأشار إلى أن الأولوية القصوى لدى الكثيرين تحولت إلى "تأمين الاستقرار والأمان، بدلاً من التفكير في الاستثمار أو تغيير السكن".
كما يعرب بعض السكان عن مخاوفهم من أن تؤدي أي تحولات مفاجئة في السيطرة إلى تعقيدات قانونية وإدارية، لا سيما فيما يتعلق بإثبات الملكيات وتثبيت العقود، خصوصاً في ظل الانقسام الإداري الراهن بين مؤسسات الحكومة السورية والإدارات التابعة لـ "قسد".
مكاتب عقارية على وشك التوقف
صاحب أحد المكاتب العقارية في مدينة الحسكة، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، أكد لـ "عنب بلدي" أن حركة السوق "تراجعت بشكل حاد" منذ انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة. وأشار إلى أن عدد صفقات البيع والشراء انخفض بشكل كبير مقارنة بالأشهر الماضية.
وأضاف أن "السوق كان يشهد نشاطاً مقبولاً قبل التطورات الأخيرة، لكن في الوقت الراهن، يكتفي معظم المراجعين بالاستفسار عن الأسعار دون اتخاذ أي خطوات جدية"، مؤكداً أن "الناس ينتظرون استقرار الأوضاع، ولا يرغبون في المجازفة بأموالهم في ظل هذه الظروف الغامضة".
وأوضح صاحب المكتب العقاري أن هناك ارتباطاً مباشراً أو غير مباشر بين عدد من تجار ومتعهدي وسماسرة العقارات في المحافظة و"قسد"، وهو ما أثر سلباً على نشاط السوق في ظل المستجدات الأمنية والعسكرية الحالية. وقد امتدت حالة الترقب والقلق لتشمل حتى العاملين في هذا القطاع الحيوي.
ولفت إلى أن "بعض الوسطاء العقاريين توقفوا عن العمل مؤقتاً، خشية التعرض لأي مساءلات أو ضغوط في حال تغيرت موازين السيطرة"، معتبراً أن "انعدام وضوح الرؤية يشكل العامل الأبرز وراء حالة الجمود التي يشهدها السوق حالياً".
إغلاق المحاكم والسجل العقاري يفاقم الأزمة
بالإضافة إلى المخاوف الأمنية، ظهر عامل إداري وقانوني آخر ساهم في شل حركة السوق، وهو إغلاق عدد من الدوائر الحكومية، بما في ذلك المحاكم والسجل العقاري. وقد أدى هذا الإغلاق إلى استحالة تثبيت العقود بشكل رسمي في المؤسسات المعنية، مما يعيق إتمام الصفقات.
خلف الجمعة، وهو وسيط عقاري من مدينة الحسكة، أكد لـ "عنب بلدي" أن "أي عملية بيع أو شراء تتطلب تثبيتاً رسمياً في السجل العقاري لضمان حقوق الأطراف، ومع إغلاق الدوائر المختصة، أصبح من الصعب إتمام أي صفقة بطريقة قانونية سليمة".
وأضاف الجمعة أن "بعض الأشخاص حاولوا تنظيم عقود عرفية مؤقتة، لكن غالبية المشترين يرفضون هذا الخيار، كونه لا يوفر الضمانات الكافية في حال نشوب أي نزاع مستقبلي". وأشار إلى أن "تجميد العمل في المحاكم قد زاد من تعقيد الوضع بشكل كبير".
وأوضح خلف أن "السوق لا يمكن أن يعمل بفاعلية وطبيعية دون وجود مرجعية قانونية واضحة ومعترف بها من جميع الأطراف". وأكد أن "المستثمر أو المواطن العادي يحتاج إلى ضمانة رسمية تحمي أمواله، وهذا ما يفتقر إليه الوضع الراهن".
تراجع الأسعار وتوقف العروض
وفقاً للعاملين في القطاع، لم تقتصر حالة الجمود على انخفاض عدد الصفقات فحسب، بل امتد تأثيرها ليشمل مستوى الأسعار أيضاً. فقد تراجعت العروض الجديدة في السوق، وامتنع العديد من المالكين عن عرض عقاراتهم للبيع.
وأفاد خلف الجمعة بأن "بعض المالكين يخشون بيع عقاراتهم بأسعار متدنية في ظل الركود الحالي، ويفضلون الانتظار حتى يعود النشاط إلى السوق". وأوضح أن "قلة الطلب أدت إلى شبه استقرار في الأسعار، مع تسجيل حالات بيع محدودة بأسعار أدنى من المعتاد".
ويرى العاملون في هذا القطاع أن سوق العقارات في الحسكة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الأمني والإداري. وأكدوا أن أي اضطراب في هذين العاملين ينعكس فوراً على حجم التداول، نظراً لأن العقار يُعد استثماراً طويل الأمد يتطلب بيئة مستقرة وموثوقة.
بين الترقب والحذر
في ظل هذا المشهد المعقد، يعيش سوق العقارات في محافظة الحسكة مرحلة ترقب حذرة، بانتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية والإدارية، سواء فيما يتعلق بخطوط السيطرة العسكرية أو بإعادة تفعيل المؤسسات الرسمية المعطلة.
ويأمل العاملون في القطاع أن تساهم عودة الدوائر الحكومية إلى العمل وتثبيت خطوط السيطرة في إعادة الثقة تدريجياً إلى السوق. ويرون أن "العقار يظل ملاذاً آمناً على المدى الطويل، لكن الناس بحاجة إلى حد أدنى من الاستقرار قبل ضخ أموالهم فيه".
في المقابل، لا يخفي السكان مخاوفهم من استمرار حالة عدم اليقين، وما قد يرافقها من موجات نزوح جديدة أو تغييرات إدارية مفاجئة، مما يؤدي إلى تأجيل قرارات البيع والشراء إلى أجل غير مسمى.
وبين المخاوف الأمنية المتزايدة، وتعطل المؤسسات الرسمية، وتضارب المرجعيات الإدارية، يبقى سوق العقارات في الحسكة رهين التطورات المستقبلية. هذه المحافظة، التي أنهكتها سنوات طويلة من الصراع وتعدد السلطات، تجد نفسها اليوم أمام اختبار جديد ينعكس بشكل مباشر على حياة سكانها واقتصادها المحلي.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سوريا محلي