الخابور: 35 قرية آشورية تتحول إلى سجن مفتوح تحت سيطرة قسد ووحدات حماية الشعب


هذا الخبر بعنوان "(الفصل الثالث).. 35 قرية بلا أبواب: كيف تحول الخابور إلى سجن مفتوح تحت اسم الحماية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد اغتيال داود جندو وتفكيك ما تبقى من حرس الخابور، دخلت القرى الآشورية الواقعة على ضفاف النهر مرحلة جديدة كلياً. هذه المرحلة، التي لم تُعلن رسمياً، فُرضت على الأرض بهدوء، وتمثلت في سيطرة كاملة دون إعلان احتلال، وحصار غير معلن، وتحويل القرى إلى جيوب بشرية تُدار أمنياً بدلاً من كونها مجتمعات حية.
منذ منتصف عام 2015، بدأت وحدات حماية الشعب الكردية، ولاحقاً مظلة قسد، بترسيخ وجودها داخل القرى الآشورية نفسها، متجاوزة الادعاءات المتكررة بالانسحاب إلى المناطق ذات الغالبية الكردية. خمسة وثلاثون قرية آشورية على امتداد نهر الخابور، من تل تمر وصولاً إلى القرى المحيطة بها، وُضعت عملياً تحت وضع يشبه الاحتجاز الجماعي. فلا قرار أمني يُتخذ دون موافقة القوة المسيطرة، ولا حركة مسلحة، حتى لو كانت دفاعية، يُسمح بها، ولا تمثيل حقيقي للأهالي في أي ترتيبات تتعلق بمصيرهم.
في المقابل، استُخدم وجودهم كورقة سياسية جاهزة: عند التفاوض يُستحضرون كـ«أقليات بحاجة للحماية»، وعند التصعيد يُتركون في مرمى النيران. تقارير صحفية وشهادات محلية، من بينها ما نُشر في صحف آشورية معروفة، تحدثت بوضوح عن واقع القرى المحاصرة. وصف السكان أنفسهم الوضع بأنه احتجاز فعلي، حيث لا يملكون القدرة على طرد القوة المسيطرة، ولا ضمانة حقيقية بألا يتحولوا إلى ضحايا جانبية إذا اندلع القتال. هذا الخوف لم يكن نظرياً، بل قائماً على تجربة قريبة: اجتياح داعش، نزع السلاح، الانسحاب المفاجئ، ثم ترك المدنيين لمصيرهم.
في تلك الفترة، بدأ نمط جديد من الانتهاكات بالتراكم. لم تعد المسألة مرتبطة فقط بالسلاح، بل بالهوية والتعليم والدين. أُغلقت مدارس مسيحية بالقوة، وطُردت إداراتها، وفُرضت مناهج دون أي اعتبار لخصوصية المجتمع المحلي. وفي مناطق أخرى، جرى تحويل كنائس إلى مقار عسكرية، أو استخدامها كنقاط لوجستية، في سابقة لم يعرفها الخابور حتى في أكثر مراحله اضطراباً. كل ذلك جرى تحت شعارات الديمقراطية والتعددية، بينما الواقع اليومي كان يقول عكس ذلك تماماً.
الأخطر من كل ما سبق، هو إجبار شبان آشوريين على حمل السلاح ضمن تشكيلات لا تمثلهم، والزج بهم في صراعات لا علاقة لهم بها. من يرفض يُضيّق عليه، ومن يحاول البقاء خارج المعسكرات يُتهم بالتهرب أو عدم الولاء. هكذا تحولت القرى إلى ما يشبه السجن المفتوح: بيوت قائمة، كنائس قائمة، لكن القرار مسلوب، والمستقبل معلق.
في مواجهة هذا الواقع، برز موقف واضح من ممثلي المجتمع الآشوري أنفسهم. تصريحات علنية صدرت عن شخصيات قيادية في المنظمة السريانية الديمقراطية أكدت أن المسيحيين، وخصوصاً السريان الآشوريين، يؤيدون منطق الدولة وسيادتها، ويرفضون تحويل مناطقهم إلى ساحات صراع أو أدوات ضغط. هذه التصريحات نسفت الادعاء القائل بأن القوة المسيطرة تمثل إرادة الأقليات أو تحميها، وأظهرت الفجوة العميقة بين الخطاب الإعلامي والواقع الميداني.
القرى الآشورية في الخابور لم تطلب امتيازات، ولا حكماً ذاتياً، ولا حماية خاصة، بل الحد الأدنى من الأمان والحق في تقرير شؤونها المحلية دون وصاية. لكن ما فُرض عليها كان العكس: وصاية مسلحة، إدارة أمنية، واستثمار دائم في الخوف. ومع كل جولة توتر جديدة، كانت هذه القرى تُعاد إلى الواجهة كدليل على الخطر القادم، بينما الخطر الحقيقي كان حاضراً داخلها منذ سنوات.
هكذا، بين عام 2015 وما بعده، لم تُحتل القرى الآشورية بقرار معلن، بل أُفرغت تدريجياً من قدرتها على الصمود. بقيت البيوت، لكن غاب الشعور بالأمان. بقيت الأسماء، لكن تقلص الوجود. ومع كل ذلك، استمر تقديم المشهد للعالم بوصفه نموذجاً لحماية الأقليات، في حين كان الخابور يتحول، قرية بعد قرية، إلى سجن بلا جدران.
ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة