النرجس والبابونج والخبيزة: نباتات إدلب البرية تتحول إلى شريان حياة موسمي لمئات العائلات


هذا الخبر بعنوان "النرجس البري والبابونج والخبيزة.. مصدر دخل موسمي لعائلات في إدلب" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع انقضاء فصل الشتاء وبداية الربيع، تتحول الحقول والأراضي المفتوحة في ريف إدلب إلى مساحات خضراء يانعة، تزهر فيها نباتات برية لطالما ارتبطت بالذاكرة الغذائية والطبية لسكان المنطقة. لكن هذه النباتات، وعلى رأسها النرجس البري والبابونج والخبيزة، تجاوزت كونها أعشاباً موسمية للاستهلاك المنزلي، لتصبح خلال السنوات الأخيرة مصدراً حيوياً للدخل المؤقت الذي تعتمد عليه مئات العائلات، وذلك في ظل تدهور فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر.
في القرى والمخيمات المنتشرة على أطراف المدن، تخرج النساء مع ساعات الصباح الأولى، يحملن أكياساً قماشية أو بلاستيكية، متوجهات إلى الأراضي الزراعية والسهول القريبة لجمع هذه النباتات. تُباع هذه المحاصيل لاحقاً في الأسواق الشعبية أو على جوانب الطرقات، بأسعار تتفاوت بحسب الموسم والطلب.
فاطمة عبد الكريم، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال تقيم في ريف إدلب الجنوبي، أكدت أن جمع الخبيزة والبابونج أصبح جزءاً لا يتجزأ من روتينها اليومي في هذا الوقت من العام. تبدأ فاطمة عملها في الحقول بعد شروق الشمس مباشرة وتستمر لساعات طويلة، متحديةً برودة الطقس أحياناً وصعوبة التنقل.
وأضافت فاطمة أن ما تجمعه يومياً قد لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات، لكنها تضطر لبيعها بأي ثمن، لأن العائد، وإن كان بسيطاً، يساعدها في تأمين احتياجات أساسية كالخبز والخضار. وأشارت إلى أن هذا العمل لا يتطلب رأس مال، مما يجعله الخيار الوحيد المتاح أمامها في ظل غياب المعيل وانعدام مصادر الدخل الأخرى. وبينما يرى البعض في هذا النشاط ممارسة تراثية، يعتبره آخرون انعكاساً مباشراً للواقع الاقتصادي القاسي الذي تعيشه المنطقة منذ سنوات.
من جهتها، خديجة الريا، وهي نازحة تقيم في مخيم رأس الحصن، أحد مخيمات ريف إدلب الشمالي، تعمل في قطاف النرجس البري وبيعه في الأسواق. وفي حديثها لصحيفة “الثورة السورية”، أوضحت أن النرجس البري يُعد من أكثر النباتات طلباً في السوق لرائحته العطرة التي تدوم أياماً ولاستخدامه في الزينة. لكنها أشارت إلى أن جمعه يتطلب جهداً أكبر نظراً لبعد أماكن نموه وصعوبة اقتلاعه دون إتلافه.
وبينت خديجة أن النساء غالباً ما يتشاركن في الذهاب إلى الحقول لأسباب تتعلق بالأمان، بالإضافة إلى تقاسم تكاليف النقل في حال كانت المسافة بعيدة. وأضافت أن العمل الجماعي يخفف من وطأة التعب، لكنه لا يغير كثيراً من ضعف العائد المادي.
خالد البر، أحد التجار في الأسواق الشعبية بإدلب، أفاد بأن سعر الكيلوغرام الواحد من الخبيزة يتراوح بين 1 و2 دولار، بينما تصل أسعار ربطات النرجس البري إلى مستويات أعلى نسبياً، خاصة في ذروة الموسم. أما البابونج، فيُعد من أكثر النباتات رواجاً نظراً لاستخداماته الطبية الواسعة، سواء كمشروب عشبي أو في الصناعات البسيطة. وأشار البر إلى أن الطلب على هذه النباتات يزداد مع تراجع القدرة الشرائية، حيث يلجأ كثير من الأهالي إلى البدائل الطبيعية بدلاً من الأدوية أو الخضار مرتفعة الثمن.
تشير تقديرات محلية إلى أن مئات العائلات في ريف إدلب تعتمد جزئياً على جمع النباتات البرية خلال فصل الربيع، وذلك بسبب تراجع الدعم الإنساني وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وفي تصريح خاص لصحيفة “الثورة السورية”، قال نقيب المهندسين الزراعيين في وزارة الزراعة، مصطفى السعيد، إن النباتات الموسمية مثل النرجس والبابونج والخبيزة تُعد من الموارد الطبيعية التي يتجه كثيرون إلى قطافها بشكل موسمي، ولا سيما في الفترات التي تكون فيها في أوج ازدهارها.
وأضاف السعيد أن هذا النوع من العمل يشهد إقبالاً متزايداً في بعض المناطق التي تعتمد على هذه النباتات كوسيلة للرزق المؤقت، ويمكن اعتباره مصدر دخل لبعض الأسر التي لا تجد فرص عمل دائمة. تُباع هذه النباتات في الأسواق المحلية أو تُستخدم في صناعات متعددة مثل الأدوية ومستحضرات التجميل والأعشاب الطبية التي تلقى رواجاً واسعاً.
وأشار السعيد إلى أن هذا النشاط قد يشكل مورداً معيشياً للمجتمعات المحلية، إلا أنه يتطلب تدابير تضمن الاستدامة البيئية وتحقيق التوازن بين العوائد الاقتصادية والحفاظ على الطبيعة للأجيال القادمة. مؤكداً أهمية وضع آليات تنظيمية تشجع على حماية التنوع البيولوجي في المناطق التي تنمو فيها هذه النباتات، إضافة إلى توعية الأهالي بكيفية تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية البيئة.
ويرى السعيد أن تحويل النباتات البرية مثل النرجس والخبيزة والبابونج إلى مصدر دخل موسمي غير منظم قد تكون له آثار اقتصادية محلية وإقليمية إيجابية، منها تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل موسمية للسكان وجامعي النباتات والعمال الذين يعتمدون على جمعها في فترات محددة من السنة. كما يمكن أن تسهم هذه النباتات في دعم المشاريع الصغيرة مثل معامل الأعشاب أو المراكز التي تحولها إلى منتجات نهائية كالزيوت العطرية والشاي ومستحضرات التجميل.
وعن تأثيرها السلبي على الإنتاجية الزراعية والبيئة، أوضح السعيد أن الضغط على البيئة الطبيعية قد يؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي أو تهديد بعض الأنواع المحلية نتيجة الجمع المفرط، مما يقلص أعداد النباتات البرية في المناطق الطبيعية ويعرضها للخطر.
ويقترح السعيد تفعيل التنظيم والإشراف، بحيث توضع سياسات تضمن جمع هذه النباتات بشكل مستدام، مثل إنشاء برامج لتدريب المجتمع المحلي على القطاف المسؤول، بما يقلل الآثار السلبية ويحسن دخل العاملين. كما دعا إلى البحث في القيمة المضافة لهذه النباتات عبر استخراج مواد فعالة تدخل في الصناعات الطبية والعلاجية، مما يعزز قيمتها في الأسواق، إضافة إلى إدخال تقنيات التحسين الزراعي المستدام وتحسين سبل التسويق المحلي والدولي وتحفيز المجتمع المحلي من خلال مشاريع صغيرة ومتوسطة لمنتجات هذه النباتات، بما يدعم الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل أكثر استدامة.
ويرى السعيد أن السياسة الأنسب تتمثل في مزيج من تنظيم مدروس لعمليات القطاف مع توفير بدائل اقتصادية للعاملين عند الحاجة، عبر تطوير قطاعات أخرى كالصناعات التحويلية وتحسين فرص العمل المرتبطة بها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة