أوروبا في مفترق طرق: من وهم الطمأنينة الأمريكية إلى حتمية الاستقلال الاستراتيجي بعد مؤتمر ميونيخ


هذا الخبر بعنوان "أوروبا بين وهم الطمأنينة وضرورة الاستقلال: لحظة ميونيخ في نظام عالمي سائل" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى د. سلمان ريا أن توصيف العالم بـ"متعدد الأقطاب" أو الحديث عن استمرار الهيمنة الأمريكية الأحادية لم يعد كافيًا أو مقنعًا. فنحن نعيش في نظام دولي يتسم بالسيولة البنيوية، حيث تتغير موازين القوى وتُعاد تعريف التحالفات، بينما تفقد المؤسسات متعددة الأطراف فعاليتها دون ظهور هندسة بديلة مستقرة. هذه المرحلة الانتقالية المفتوحة الاحتمالات تشهد تراجعًا في اليقينيات الاستراتيجية وصعودًا لمنطق التحوّط. لم يعد الصراع العالمي أيديولوجيًا منضبطًا كما كان في حقبة الحرب الباردة، بل تحول إلى صراع اقتصادي-تكنولوجي تتخلله اختلافات داخل المعسكرات نفسها.
لقد عمّقت العولمة الترابط بين الدول، لكنها في الوقت ذاته وسّعت الفجوات وأنتجت جيوب تهميش في الجنوب والشمال على حد سواء، مما أسهم في صعود تيارات شعبوية وهوياتية تشكك في جدوى الانفتاح. في هذا السياق، تراجعت فعالية التعددية الدولية؛ فالمنظمات ما زالت قائمة لكن قدرتها التنفيذية تآكلت. في المقابل، برزت تحالفات "بالقطعة" حول ملفات محددة، تعكس براغماتية عالية لكنها تفتقر إلى الشمول والاستدامة. العالم لم ينزلق إلى الفوضى الكاملة، لكنه لم يعد منظمًا وفق قواعد مستقرة.
ضمن هذا المشهد المعقد، لم يكن مؤتمر ميونيخ للأمن 2026 مجرد اجتماع دوري، بل لحظة كاشفة بامتياز. ما تبلور في ميونيخ لم يكن مجرد نقاش حول تقاسم الأعباء الدفاعية، بل مراجعة هادئة لافتراض استراتيجي حكم أوروبا منذ عام 1945: استمرارية المظلة الأمريكية كعنصر ثابت لا يُمس. مع توجهات إدارة دونالد ترامب التي أكدت على أولوية الداخل الأمريكي، وتصاعد خطاب تقاسم الأعباء داخل حلف شمال الأطلسي، أدركت العواصم الأوروبية أن الاعتماد الأحادي لم يعد خيارًا آمنًا في بيئة تتسم بتقلب الحسابات الداخلية الأمريكية. لم تعد المشكلة تكمن في تصريح عابر أو موقف فردي، بل في نمط تفكير استراتيجي يربط الالتزامات الخارجية بحسابات انتخابية واقتصادية متغيرة.
من هنا، انتقل مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية" من دائرة الخطاب النظري إلى حيز الضرورة العملية. هذا لا يعني القطيعة مع واشنطن، بل إعادة توازن للعلاقة. أوروبا لا تسعى إلى فك الارتباط، وإنما إلى امتلاك خيار الفعل المستقل عند الضرورة، سواء في جوارها الأوروبي، أو في مجالات الأمن السيبراني، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والصناعات الدفاعية.
التحدي ليس ماليًا فقط، رغم أهمية زيادة الإنفاق الدفاعي. إنه تحدٍ مؤسسي وسياسي بالدرجة الأولى. فهل يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاوز انقساماته بين شرق وغرب، وشمال وجنوب؟ وهل تقبل الدول الأعضاء نقل صلاحيات إضافية إلى مستوى فوق قومي في قضايا تمس صميم السيادة؟ وهل يمكن تحويل القدرات الفرنسية النووية إلى عنصر ردع أوروبي أوسع دون إثارة حساسيات داخلية؟
المفارقة تكمن في أن أوروبا تتحرك اليوم بدافع الخوف من تآكل الضمانة الأمريكية، وليس بدافع طموح انفصالي. إنها لحظة وعي بحدود الطمأنينة، وليست لحظة تمرد. لكنها في الوقت ذاته لحظة اختبار حاسمة: إما أن تترجم هذا الإدراك إلى سياسات صناعية ودفاعية وتكنولوجية متماسكة، فتتحول إلى عمود أوروبي أكثر صلابة داخل المنظومة الغربية؛ أو تبقى أسيرة خطاب استقلالي لا يتجاوز حدود البيانات. في عالم يشبه "مدينة كونية" تتجاور فيه الاختلافات الحادة والتفاوتات العميقة، لا يمكن لأي قوة إقليمية أن تكتفي بالاعتماد على غيرها في قضايا الوجود. لقد دخلت أوروبا زمن إعادة تعريف موقعها: شريكًا أطلسيًا، نعم، لكن شريكًا قادرًا على الوقوف بذاته إذا تبدلت شروط الشراكة. انتهى زمن الاطمئنان غير المشروط، وبدأ زمن اختبار الإرادة الاستراتيجية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة