مؤتمر في عمّان يستعرض تحديات الهوية السورية وسبل إعادة بناء النسيج الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "بين التعددية والصراع: مؤتمر في عمّان يناقش مستقبل الهوية السورية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد فندق عمّان الدولي أول أمس الاثنين، استضافة مؤتمر حواري نظمه "منتدى الفكر العربي"، تناول إشكاليات الانقسام في سوريا وتداعياته العميقة على النسيج الاجتماعي والهوية الوطنية. يأتي هذا النقاش في ظل استمرار التحديات السياسية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد لأكثر من عقد من الزمان. المؤتمر، الذي حمل عنوان "من نذر الإنقسام إلى إعادة البناء مستقبل النسيج الاجتماعي في سورية"، جمع نخبة من المفكرين والباحثين العرب، وسلط الضوء على التعددية السورية كعنصر غنى تاريخي تحول، بفعل الصراع وتداعياته، إلى مصدر للتوتر والاستقطاب.
أوضح المتحدثون أن سوريا لطالما تميزت تاريخيًا بتنوع قومي وديني ومذهبي واسع، يشمل العرب والأكراد والسريان والآشوريين والتركمان وغيرهم، بالإضافة إلى التنوع الديني بين المسلمين بمذاهبهم والمسيحيين بطوائفهم المتعددة. ومع ذلك، ظلت إدارة هذا التنوع تمثل إشكالية كبرى، لغياب مقاربة تستند إلى الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية.
أكدت المداخلات، التي شاركت فيها "زمان الوصل"، أن إشكالية الانقسام الراهن ليست مجرد نتيجة للسنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى نمط إدارة الدولة للتعددية. فقد طغت سياسات الصهر أو الإقصاء على مبدأ الاعتراف والمشاركة، مما أدى إلى تراكم المظالم وتهميش الهويات الفرعية. ومع اندلاع النزاع وتآكل مؤسسات الدولة المركزية، عادت هذه التساؤلات إلى الواجهة في سياق أكثر هشاشة، حيث باتت تُطرح خارج الإطار الوطني الجامع، وتحت تأثير موازين قوى محلية وإقليمية ودولية.
توقف المشاركون عند بروز المسألة الكردية في مناطق شمال وشرق سوريا، خاصة في مناطق سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية”، واصفين إياها بأنها من أبرز القضايا تعقيدًا وحساسية. فقد تداخلت مطالب الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية مع واقع السيطرة العسكرية والتحالفات الدولية، مما حوّل النقاش أحيانًا من كونه شأنًا وطنيًا داخليًا إلى ورقة تفاوض سياسي. واعتبر متحدثون أن أي نموذج حكم محلي لا يندرج ضمن أفق الدولة الجامعة، ومهما حمل من شعارات ديمقراطية، يظل مهددًا ما لم يستند إلى شرعية اجتماعية واسعة وتعاقد واضح مع مختلف المكونات.
كما ناقش المؤتمر أثر الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية في تعميق الاستقطاب المجتمعي، محذرًا من توظيف هذه الانقسامات في الصراع السياسي. هذا التوظيف أضعف الهوية الوطنية الجامعة وحوّل الاختلاف من عنصر إثراء إلى مصدر غنى سلبي. وأشار الحضور إلى أن النزاع خلال السنوات الماضية لم يقتصر على المواجهات العسكرية فحسب، بل امتد ليشمل البنية الاجتماعية والقيم المشتركة، وأعاد إنتاج أشكال جديدة من عدم الثقة بين المكونات.
شددت التوصيات على أن عملية إعادة بناء النسيج الاجتماعي السوري تستلزم مراجعة نقدية للمسارات التي أدت إلى هذا التفكك، والاعتراف بالأخطاء البنيوية في إدارة التنوع. وأكد المشاركون أن إعادة البناء ليست مجرد ترميم شكلي، بل هي فعل تأسيسي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويربط المواطنة بالحقوق المتساوية دون استثناء، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المشاركة والاعتراف المتبادل.
في هذا السياق، دعا المؤتمر إلى إطلاق مسار اجتماعي–سياسي يوازي المسارات التفاوضية الرسمية، بهدف إعادة تعريف المصالح والحقوق والتمثيل، وتعزيز الثقة بين المكونات المختلفة، بعيدًا عن منطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع. كما تم التأكيد على الدور المحوري للنخب السياسية والفكرية في بلورة رؤية وطنية جامعة تتجاوز الهويات الضيقة، وتضع أسس دولة قانون قادرة على استيعاب التعددية ضمن إطار ديمقراطي.
يأتي انعقاد هذا المؤتمر في ظل استمرار حالة الانقسام الجغرافي والسياسي في سوريا، بين مناطق نفوذ متعددة، وتحديات اقتصادية وإنسانية متفاقمة، مما يجعل من استعادة التماسك الاجتماعي شرطًا أساسيًا لأي مسار مستقبلي نحو الاستقرار وإعادة الإعمار. واختُتمت أعمال المؤتمر بالتشديد على أن التعددية السورية، إذا ما أُديرت ضمن إطار وطني جامع، يمكن أن تتحول إلى مصدر قوة واستقرار، لا عامل تفكك وصراع. وأكد المشاركون أن الاعتراف المتبادل والمواطنة المتساوية يشكلان المدخل الحقيقي لإعادة بناء سوريا على أسس أكثر عدلًا واستدامة.
بقلم: فارس الرفاعي - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة