تداعيات انهيار نظام الأسد: إسرائيل كخيار للاستقواء بالخارج في المشهد السوري المتغير


هذا الخبر بعنوان "عن استقواء السوريين بالخارج: إسرائيل ليست مُحرّماً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مثّل انهيار نظام بشار الأسد زلزالاً جيوسياسياً بالغ الأثر على امتداد منطقة غرب آسيا، ولربما لن تسلم أي من دول هذه المنطقة من هزاته الارتدادية، حيث تسعى الفواعل الإقليمية والدولية جاهدة لضبط تداعياته وتقليلها إلى أدنى الحدود. لقد شكّل هذا الحدث مؤشراً على انهيار تفاهمات دولية نشأت منذ «الحرب الباردة» واستمرت بعدها، في دلالة على قوة «التشبيكات» التي أقامها نظام الأسد الأب. وقد وضع هذا الانهيار المنطقة برمتها في سياق إعادة هندسة لخرائطها عبر البوابة السورية، الأمر الذي ألقى بظلاله الثقيلة على الداخل السوري المثقل بالكثير من التحديات، ليجد النسيج المجتمعي نفسه أمام تحديات غير مسبوقة، ليس فقط بفعل «العامل الخارجي»، بل أيضاً بفعل نظامه الجديد الذي تبنى وصفة مفادها أن «ركوب موجة التنازلات والدفع بها قدماً كفيلان بتعزيز حلم البقاء».
هذه الوصفة، التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تأمين إطلاق يد النظام في الداخل لتمكين وهم البقاء، راحت تتخذ في الآونة الأخيرة طبعات غير مسبوقة، بعدما وجد النظام نفسه، في حمأة التهديد الوجودي، أمام خيار البحث عن «مظلة» خارجية للاحتماء بها. ولم يستثنِ هذا الفعل أي «مظلة»، حتى لو كانت موسومة بـ«نجمة داود»، في دلالة على نوعية «الغطاء» وأثمانه. وقد تجاوزت السلطة الراهنة هذا المحظور تماماً، دون أن يعني ذلك أنها كانت الوحيدة في هذا الفعل، فمثلها فعلت شرائح إثنية أو مذهبية، وإن ظلت هذه الأخيرة كـ«الجزر» المعزولة في محيطها القريب والبعيد.
بدايةً، لا بد من التفريق ما بين استقواء نظام بالخارج على شعبه، واستقواء الشعب على النظام بالفاعل نفسه. والفرق هنا لا ينجم بالضرورة عن الاعتبارات الوطنية المتفق عليها في مرحلة محددة، بل هو ناجم بالدرجة الأولى عن فكرة أن النظام، أي نظام، لا مناص من أن يحظى بـ«شرعية» من أي نوع كانت، وهي كافية لتضعه في موقع القادر على «شرعنة» فعل الاستقواء بالخارج من عدمه، وتسويقه وفقاً للظروف التي يراها موجبة. وفي هذا السياق، يمكن الجزم بأن «النظام الاستبدادي» غالباً ما يلجأ إلى الاستقواء بالخارج لاعتبارات بنيوية تتعلق بتركيبته أولاً، وذلك عبر طريقين رئيسيين: أولهما، امتناعه عن عمليات الإصلاح الوطني التي يخشى من أن تطبيقها سيقود حتماً إلى سراديب «المساءلة» والمحاسبة لتحديد هوية المسؤول عن هذا «الخراب». وثانيهما، إبقاء الضغط المطبق على القوى الاقتصادية والاجتماعية لتطويقها ومنعها من الانتظام في تيارات تسعى للمطالبة بالإصلاح.
والمؤكد أن نظام الأسدين، الأب والابن، كان يندرج تحت هذا النوع من الأنظمة، وإن كان ثمة تفاوت واضح بينهما لجهة «القدرة» و«الكفاءة» اللتين كانت كفة الأول فيهما تميل لصالحه بدرجة لا تقاس عن نظيرتها الثانية. لكن الثابت هو أن كلا النظامين نجح في خلق حالة «وطنية» من نوع ما، استطاعت تلك الحالة المحافظة على نسيج المحرمات من التهتك بدرجة مانعة لحدوث «التشظي الهوياتي»، الذي كان من الواضح أن الوصول إليه يمثل هدفاً خارجياً بعيداً، كما تشير عشرات الوثائق التي خرجت للعلن بعد دخول الأزمة السورية مرحلة النار صيف عام 2011 فصاعداً.
يغفل المراهنون، على ضفتي السلطة والشارع على حد سواء، أو لا يدركون على وجه التحديد، طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة في المنطقة. فقد كانت أخطر التداعيات التي عاشها المجتمع السوري بعد سقوط نظام الأسد هي حالة الضياع والتشتت التي ترافقت مع انقسام استقطابي سياسي تنافري لم يشهده المجتمع السوري على مر تاريخه، سواء من حيث الحجم أم من حيث العمق. ومع الإرهاصات الكارثية لمحاولات تثبيت السلطات الجديدة لدعائمها، التي اقتضت حط رحالها الدموية في مناطق عدة ذات اعتبارية عرقية أو مذهبية محددة، باتت الخيارات عند هؤلاء من النوع الذي يقول بأن «التشظي» السوري يكاد يكون الخيار الوحيد القابل للحياة.
لكن التعاطي مع تلك المسألة كان متبايناً بين مناطق ثلاث لاعتبارات تتعلق بتركيبتها أولاً، ثم بطبيعة الفاعل الخارجي فيها ثانياً: ففي الجزيرة السورية، كان الاستناد إلى الدعم الأميركي الرامي للحصول على حيثية معينة أمراً يندرج في إطار ما تتيحه المعطيات الراهنة، وهو ما يمكن توصيفه بحالة مطلبية أشبه بـ«ما تحت الاستقلال»، وذاك الاستناد هو الذي حال دون بروز الاستقواء بالوكيل الإسرائيلي الذي أثبت «كفاءة» وقدرة على التدخل خلال أحداث السويداء في شهر تموز 2025. إلا أن تواتر الأحداث في الشرق، ومضي واشنطن إلى رمي «بيضها» كله في سلة السلطة السورية، كانا قد دفعا بإلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية»، إلى الظهور على قناة «i24 NEWS» العبرية معلنة عن أن «الخيارات الآن كلها مطروحة، بما فيها الخيار الإسرائيلي، إذا ما تكاملت شروطه».
أما في جبل العرب، فقد كان من الواضح أن ثمة تعويلاً كبيراً على أن سيناريو 15-16 تموز 2025، الذي شهد تدخلاً جوياً إسرائيلياً في السويداء وصولاً إلى قصف وزارة الدفاع والأركان في دمشق، هو الوحيد الكفيل بـ«حماية الذات»، أو الحصول على كينونة من شأنها الحفاظ على الهوية ومعرفاتها الوجودية. وفي الساحل، الذي دخل هو الآخر مرحلة تحدّ وجودي هوياتي، فقد كان الأمر مختلفاً من نوع ما. وعلى الرغم من أن تل أبيب جهدت نحو مد جسور التواصل مع نخب وفعاليات فيه بغرض التأسيس لحالة «ثقافية مجتمعية» تتناقض مع تلك القائمة في السابق حيال النظرة لـ«الوجود» الإسرائيلي في المنطقة، إلا أن تلك الحالات ظلت معزولة، ولم تستطع رهاناتها الخفية على «الخيار» الإسرائيلي أن تكون سوى لحظة عابرة قادت إليها بواعث القلق في لحظة كان من المُقدّر لها أن تفعل أكثر.
يغفل المراهنون، على ضفتي السلطة والشارع على حد سواء، أو هم لا يدركون على وجه التحديد، طبيعة السياسات الإسرائيلية القائمة في المنطقة، وما الذي تريده على وجه التحديد. فـ«وثائق التأسيس»، التي عرضت لها سلسلة مقالات للراحل محمد حسنين هيكل نشرتها جريدة «السفير» صيف عام 2000، تؤكد أن إسرائيل تريد لنفسها لعب دور «مظلة حامية» للهويات الفرعية، أو الكيانات الإثنية أو العرقية التي يجب أن تصير إليها سوريا في النهاية. وبهذا المعنى يمكن الجزم بأن المشكلة الكبرى اليوم هي على ضفاف السلطة، التي تبدو ماضية في تنسيقها مع الولايات المتحدة وإسرائيل بآليات غامضة، لكنها لا تندرج حتماً في سياق ترتيب أمني سياسي، بل تتعداه إلى محاولة الاستقواء بهما احتكاراً لهذه الحالة.
فالشارع السوري بغالبيته لا يزال يرى أن إسرائيل هي «أسّ الصراع» في المنطقة، وهي المشكلة، ولا يمكن لها أن تكون جزءاً من الحل، والشاهد هو أن اتجاهات الرأي العام لهذا الأخير تشير إلى أن معظم السوريين يرفضون الاعتراف بإسرائيل (انظر: المؤشر العربي)، والرفض هنا يقوم على تعريف مركب لإسرائيل كدولة استعمار واستيطان واحتلال، وقوة توسعية تسعى إلى تفتيت المجتمعات العربية. الآن، وفي ضوء ما تقدم، ألا تمثل «التشبيكات» التي تقيمها دمشق راهناً مع دوائر صنع القرار في تل أبيب صيغة متطورة للاستقواء بهذه الأخيرة على الصيغ التي تقدمت بها شرائح سورية بهذا الخصوص، مع الإشارة إلى أن هذه الأخيرة لا تزال تراوح خارج أطر التمرحلات التي تمر بها الذات الجمعية للسوريين، وبعيداً عنها؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة