الرقة: من سلة خبز سوريا إلى مدينة مثقلة بالديون.. الزراعة تتحول من رخاء إلى إنذار بالانهيار


هذا الخبر بعنوان "الرقة من سلة قمح إلى مدينة مثقلة بالديون: حين يتحول الموسم من وعد بالرخاء إلى إنذار بالانهيار" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تعد الزراعة في الرقة مجرد مهنة موسمية مرتبطة بدورات المطر والحراثة والحصاد، بل تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة مدينة بأكملها على الصمود. هذه المدينة، التي كانت تُعرف بسلة خيرات سوريا وشكل قمحها وقطنها ركيزة أساسية للأمن الغذائي وحركة الأسواق، تواجه اليوم واقعاً مقلقاً: مزارعون يزرعون وهم يدركون أن الخسارة أقرب من الربح، وسوق مستلزمات زراعية منفلتة، وصمت رسمي يفسح المجال لتضخم سلطة التاجر.
لطالما شكّل القمح والقطن عصب اقتصاد الرقة وريفها، ومحركاً رئيسياً للدخل المحلي والاستقرار الاجتماعي. إلا أن التحول الذي طرأ على هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة لم يكن تدريجياً فحسب، بل كان عميقاً ومؤلماً، حيث انتقل من منظومة إنتاج شبه مستقرة إلى سوق مفتوحة تتلاعب بها الأسعار المتقلبة والديون المتراكمة.
يُعد انهيار القوة الشرائية للمحصول أولى المؤشرات الصادمة. فقبل عام 2011، كانت المعادلة واضحة: طن القمح كان يعادل قيمة طنين أو أكثر من السماد، ويغطي تكلفة خمسة إلى ستة براميل مازوت، بينما كان طن القطن يعادل نحو أربعة أطنان من السماد. تراوحت الإنتاجية آنذاك بين 450 و650 كغ قمح للدونم الواحد، ومن 400 إلى 700 كغ قطن. كانت هناك خطة زراعية منظمة، تشمل تسليم البذار والسماد، وشراء مضمون للمحصول مع خصم التكاليف من الفاتورة النهائية، مما كان يمكّن المزارع من معرفة جدواه الاقتصادية قبل البدء بالزراعة.
أما اليوم، فقد انقلب الميزان تماماً. فطنان من القمح بالكاد يغطيان ثمن طن واحد من السماد، وطن القطن لا يكفي لشراء طن كامل من السماد، وطن القمح لا يغطي سوى حوالي ثلاثة براميل مازوت. تراجعت إنتاجية الدونم إلى 250–400 كغ للقمح، و200–300 كغ للقطن في أفضل الأحوال. سماد اليوريا، الذي كان يتراوح سعره بين 470 و500 دولار في عام 2024، شهد ارتفاعاً تجاوز 140 دولاراً إضافية. ورغم ارتفاع سعر القمح من 310 دولارات في 2024 إلى 420 دولاراً في 2025، إلا أن هذه الزيادة الاسمية ابتلعتها التكاليف المتضخمة للموسم. كما قفز سعر ليتر المازوت من 5000 ليرة إلى 9000 ليرة (ما يعادل نحو 75 سنتاً)، مما جعل عملية الري عبئاً مالياً ثقيلاً على كل دونم.
تشمل تكلفة دونم القمح نقداً حوالي 13 دولاراً للحراثة (ترتفع إلى 17 دولاراً في حال الدَّين)، و20–25 دولاراً للبذار، و11 دولاراً للفوسفات، و12 دولاراً لليوريا الأساسية، و30 دولاراً لليوريا مع الري، و12 دولاراً للحصاد، وذلك دون احتساب تكاليف المحروقات والمكافحة والأعطال. وفي حال التعامل بالدَّين، يضيف التاجر هامشاً قد يصل إلى 50% فوق السعر النقدي. هذه الظروف تجعل الفلاح يبدأ موسمه مكبّلاً بالديون قبل أن تنبت أول سنبلة.
خلال السنوات الماضية، وخاصة تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية، شهدت المساحات المزروعة تقلصاً ملحوظاً نتيجة الخسائر المتكررة وتركيز تجارة المحاصيل ومستلزمات الزراعة في أيدي عدد محدود من الوسطاء. ومع كل موسم خاسر، اضطر بعض المزارعين لبيع دونم أو أكثر من أراضيهم لتسديد الديون المتراكمة. هكذا تحولت الأرض من مصدر للأمان والاستقرار إلى مجرد وسيلة للإسعاف المالي. ومع تكرار الخسائر، لم يعد بيع الأرض استثناءً بل أصبح نمطاً متكرراً، مما أدى إلى تآكل الملكيات الصغيرة وخروج صغار المزارعين من دائرة الإنتاج.
لم تتوقف انعكاسات هذا التدهور عند حدود الحقل الزراعي. فاقتصاد الرقة بأكمله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالموسم الزراعي: الأسواق تنتعش بدخل الفلاحين، والعمالة الموسمية تعتمد على الحصاد، وحركة النقل والتجارة تدور حول الإنتاج الزراعي. عندما يخسر المزارع، تخسر المدينة برمتها. وعندما تتقلص المساحات المزروعة، يتراجع دور الرقة الحيوي في المعادلة الغذائية السورية، مما ينعكس سلباً على الأمن الغذائي الوطني ككل.
والمفارقة أن هذا العام شهد توسعاً في المساحات المزروعة على الرغم من كل هذه التحديات. فقد راهن العديد من المزارعين على مرحلة سياسية جديدة، وعلى أمل أن تعلن الحكومة السورية الحالية تسعيرة عادلة للمحاصيل، وتضع ضوابط حقيقية للسوق، وتكسر الاحتكار. لقد زرع الناس بدافع الأمل، لا استناداً إلى المعطيات الاقتصادية. لكن حتى هذه اللحظة، لا توجد خطة زراعية معلنة، ولا آلية دعم واضحة، ولا تصريح صريح من وزير الزراعة يطمئن آلاف الفلاحين الذين دخلوا الموسم مثقلين بالديون.
السوق اليوم حرة بالكامل، لكن المزارع ليس حراً في قراراته. فتجار مستلزمات الزراعة يواصلون رفع الأسعار يوماً بعد يوم دون رقابة فعلية، بينما يتحمل الفلاح كامل المخاطرة. إن الصمت الرسمي في ملف بحجم الزراعة ليس مجرد تفصيل إداري، بل هو فراغ يتسع فيه الهوة بين الكلفة والسعر، وبين الجهد والعائد.
إن ما تشهده الرقة ليس مجرد أزمة أسعار عابرة، بل هو تآكل تدريجي لقطاع حيوي يشكل ركناً أساسياً في الاقتصاد السوري. استمرار هذا المسار ينذر بمزيد من تقليص المساحات المزروعة، ومزيد من بيع الأراضي لتغطية الخسائر، وخروج أعداد أكبر من صغار المنتجين من السوق. لذا، فإن المسؤولية اليوم وطنية بامتياز. المطلوب هو إعلان تسعيرة مبكرة ومنصفة للمحاصيل، وضبط فعلي لأسعار مستلزمات الزراعة، وكسر احتكار السوق، وإعادة الاعتبار لخطة زراعية واضحة تعيد التوازن بين الكلفة والعائد. المزارع لا يطلب امتيازاً خاصاً، بل يطالب بعدالة اقتصادية تحمي من يزرعون قوت البلاد. والموسم الزراعي لا ينتظر التصريحات. إن إنقاذ الزراعة في الرقة اليوم ليس دعماً لمحافظة فحسب، بل هو حماية لركيزة من ركائز الاقتصاد السوري برمته.
ريم الناصر - زمان الوصل
سوريا محلي
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد