«مجلس سلام ترامب»: طموح للهيمنة الدولية يواجه تحفظات واسعة وانتقادات حادة


هذا الخبر بعنوان "تدشين مجلس «سلام ترامب»: الهيمنة بلا قُفّازات" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت واشنطن أمس انعقاد الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيث اتضح أن القضية الفلسطينية ليست التحدي الوحيد أمام طموح الولايات المتحدة لاستبدال الأدوات والمؤسسات الدولية التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة. وعلى الرغم من أن ترامب جمع عدداً من القادة للاطلاع على «تقرير حالة» حول خطته للسلام في قطاع غزة، إلا أن الاجتماع سعى أيضاً إلى استعراض «الإمكانات غير المحدودة للمجلس»، التي وصفها الرئيس بأنها تؤهله ليصبح «الهيئة الدولية الأكثر أهمية في التاريخ».
أثارت هذه التطلعات تحذيرات العديد من المراقبين، الذين أشاروا إلى أن عوامل مثل «التفويض الغامض»، والشخصنة المبالغ فيها، بالإضافة إلى قانون الدفع مقابل العضوية الذي قد يحيد غالبية الدول الصاعدة، قد تحول «مجلس ترامب» إلى مشروع متضخم يسعى لمهمة موسعة تفتقر إلى الشرعية الدولية الكاملة. والواقع أن المجلس، الذي أنشئ في البداية لمعالجة الأوضاع في غزة، عاد لينتقد في ميثاقه الصادر حديثاً «المؤسسات التي فشلت في كثير من الأحيان» في حل الأزمات، زاعماً أنه «يسعى إلى تعزيز الاستقرار واستعادة الحكم القانوني وتأمين السلام الدائم في المناطق المتضررة أو المهددة بالصراع».
في مؤشر على بدء واشنطن بفرض «شرعية» الكيان الوليد، قام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بتقريب موعد اجتماعه الرفيع المستوى، الذي كان مقرراً أمس لبحث اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ومساعي إسرائيل للسيطرة على الضفة الغربية، إلى أول من أمس. جاء ذلك على خلفية إعلان ترامب نيته عقد اجتماعه يوم الخميس، ما هدد بتعقيد سفر الدبلوماسيين الذين يخططون لحضور الاجتماعين.
بصورة أعم، وبعدما استخدمت واشنطن القانون الدولي وما يسمى بـ«النظام القائم على القواعد» لحماية هيمنتها، وتجاوزت هذه القواعد عندما تتعارض مع مصالحها، بما في ذلك عن طريق إساءة استخدام «حق النقض» في الأمم المتحدة، ومواصلة التدخل في الانتخابات والانقلابات والاغتيالات ضد الدول ذات السيادة، يبدو أن «مجلس السلام» يهدف اليوم إلى تعزيز هذا الاتجاه وتكريسه. يتجاهل المجلس، إلى حد كبير، المبادئ الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك حق السيادة الوطنية، وتقرير المصير، والمساواة في الحقوق، وفقاً لتقرير أورده موقع «ريسبونسيبل ستايتكرافت».
كذلك، لم تتلق العديد من البلدان الأكثر اضطراباً وتخلفاً في العالم دعوات للمشاركة في المجلس، ناهيك عن أنها ستجد صعوبة في سداد الرسوم البالغة مليار دولار، والمطلوبة مقابل عضوية تمتد لثلاث سنوات فيه. وطبقاً للموقع، وعلى الرغم من أن دولاً وأطرافاً «مهمة»، بما فيها السعودية وتركيا وإندونيسيا وإسرائيل، قبلت دعوة ترامب، إلا أن «حوالي 40 دولة من أصل 60 توددت إليها واشنطن للانضمام، لم توافق بعد». ويردف التقرير أنه حتى أعضاء المجلس العرب الذين قبلوا دعوة ترامب، اتخذوا هذا الموقف في محاولة لتجاوز أزمة غزة فقط، وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى تقويض شرعية المجلس، وخاصة فيما يتعلق بالنزاعات التي تشمل دولاً غير أعضاء أو قضايا عالمية.
يزيد الوضع تعقيداً «الشخصنة» من جانب ترامب، الذي يحاول ضمان نفوذ يتجاوز فترة ولايته كرئيس للولايات المتحدة للمشروع. فهو يحدد بنفسه من يتلقى دعوات العضوية، ويتحكم في الشؤون المالية لمجلس الإدارة، ويضع جدول الأعمال، ويمكنه الاعتراض على القرارات، وطرد أعضاء المجلس التنفيذي. في المقابل، لا يجوز استبداله إلا إذا استقال أو أُعلن بالإجماع عجزه عن أداء مهامه، على أن يعين منفرداً رئيساً جديداً.
حتى في حال غيرت كل من الصين وروسيا والهند موقفها، بعدما رفضت الانخراط في المجلس، فإنها قد تظل أكثر ميلاً إلى الأمم المتحدة، حيث تتمتع بنفوذ أكبر. فيما حافظت العديد من الدول الأوروبية على مسافة من مشروع ترامب، وذلك على خلفية تحفظات من ضم روسيا إليه، مناقضةً إعلان الرئيس الأميركي، في حديثه إلى الصحافيين يوم الاثنين، أنه «سيجمع جميع زعماء العالم» في جلسة أمس. وكان لافتاً، في هذا الإطار، إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق، أن بلاده مستعدة لإنفاق مليار دولار من الأصول المجمدة في الولايات المتحدة على «مجلس السلام»، حتى قبل أن تقرر ما إذا كانت ستنضم إلى المبادرة أم لا، في وقت ترى فيه موسكو في مشروع ترامب محاولة أميركية لإدارة الأزمات الدولية بشكل «فردي»، وانتزاع صلاحيات مجلس الأمن. من جهتها، انتقدت بكين غياب أي تمثيل فلسطيني رسمي في «مجلس السلام»، مؤكدة أن هذا التغييب يجعل من المبادرة بمثابة «إدارة قسرية» تفتقر إلى القبول الشعبي والشرعية الأخلاقية اللازمة لتحقيق سلام دائم.
بالأرقام، وعلى الرغم من أن بعض وسائل الإعلام الغربية أشارت إلى أن إجمالي عدد الوفود الحاضرة في اجتماع أمس يتجاوز الـ45 دولة، إلا أنه ومن بين نحو ستين دعوة وجهها ترامب إلى رؤساء العالم للعمل في المجلس – لا حضور الاجتماع فقط – وافق حوالي عشرين قائد دولة فحسب على الانضمام. ومن بين هؤلاء بعض الشخصيات البعيدة كل البعد عن أحداث الشرق الأوسط، إلا أنها تحظى بـ«قبول» لدى ترامب، من مثل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان. وإذ وافق، مثلاً، رئيس الوزراء الباكستاني على الحضور، فإن الكثير من الدول في الشرق الأوسط قررت إرسال مسؤولين من الرتب الدنيا. من جهتها، رفضت بعض الدول الأوروبية، بما فيها النمسا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا واليونان وإيطاليا وأوكرانيا وغيرها، الانضمام إلى المبادرة، وذلك على خلفية تحفظات على ميثاق المجلس وغياب أي تمثيل فلسطيني فيه، فيما أصبح البابا ليو، أحدث زعيم عالمي يرفض دعوة ترامب. وبينما ارتأت بعض تلك الدول إرسال وفود بصفة «مراقب» إلى جلسة أمس، رفض رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو الحضور، ليمثله وزير الخارجية جدعون ساعر. وعلى الرغم من موافقة كندا على الانضمام، فقد ألغى ترامب الدعوة الموجهة إليها، بسبب تنديد رئيس وزرائها مارك كارني، في خطابه في «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس، بـ«الهيمنة الأميركية».
وسط انتشار أنباء عن خطط أميركية لبناء قاعدة عسكرية تتسع لخمسة آلاف شخص في غزة – وفقاً لسجلات التعاقد مع «مجلس السلام» التي اطلعت عليها صحيفة «الغارديان» البريطانية – وستستخدم كـ«قاعدة عمليات عسكرية للقوة الدولية لتحقيق الاستقرار»، إلا أنه حتى الآن، بدأت إندونيسيا وحدها ترتيبات لإرسال قوات إلى غزة، وذلك بحلول نيسان. وعلى الرغم من قرار جاكرتا هذا، أكد المسؤولون الإندونيسيون أن جنودهم لن ينتشروا خارج النصف الذي لا يزال يحتله الجيش الإسرائيلي، في انعكاس لواحدة من بين جملة من القضايا، التي تجعل أهداف خطة ترامب لغزة بعيدة المنال في الحد الأدنى.
على الرغم من المساعي المكثفة التي بذلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتحويل تدشين «مجلس السلام» في مقر «المؤسسة الأميركية للسلام» في واشنطن إلى حدث دولي بارز، فقد جاءت هذه الفعالية لتعزز الارتياب لدى أكثر من عاصمة، ولا سيما في صفوف الحلفاء التقليديين الذين رفضوا الدعوة، أو حضروا بتمثيل متدنٍ، أو اكتفوا بالمراقبة، في مؤشر إلى ضعف التأييد الدولي للمشروع. وقال ترامب خلال كلمته الافتتاحية إنه «لا شيء أهم من السلام، والحرب تكلف أكثر بكثير من السلام»، مضيفاً أن «مجلس السلام» من «إنجازات إدارتي إلى جانب إنهاء عدد من الحروب». وإذ رأى أن «هذا المجلس سيحقق إنجازات كبيرة»، فهو عاد وهدد بأن «حركة حماس ستفي بالتزاماتها بموجب اتفاق غزة وإلا سنواجهها بقسوة».
فيما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستساهم بـ«10 مليارات دولار» في «مجلس السلام»، أشار أيضاً إلى أن كازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت قد قدمت أكثر من 7 مليارات دولار لدعم جهود الإغاثة في غزة. وإذ تعد هذه المساهمة ضئيلة بالمقارنة مع التقديرات المالية لإعادة إعمار القطاع، والتي لا تقل عن 70 مليار دولار، فقد جاءت أبرز المساهمات من الدول الخليجية؛ إذ تعهدت السعودية وقطر والكويت بتقديم مليار دولار من كل منها، والإمارات بـ1.2 مليار دولار. كما أعلنت خمس دول (إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا) إرسال قوات للعمل ضمن ما يسمى «قوة الاستقرار الدولية»، وأكدت مصر والأردن، من جهتهما، أنهما سيتوليان تدريب عناصر شرطيين فلسطينيين، في حين جددت تركيا التي يعترض الاحتلال على مشاركتها، على لسان وزير خارجيتها حاقان فيدان، استعدادها «للإسهام في قوة الأمن في غزة». وفي السياق نفسه، أعلن منسق «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، أن باب الانتساب فُتح لإنشاء قوة من الشرطة في قطاع غزة «تكون بعيدة عن نفوذ حركة حماس». وقال ملادينوف، خلال الاجتماع، إنه «في الساعات الأولى فقط (لفتح باب الانتساب)، قدم ألفا شخص طلبات للانضمام إلى قوة الشرطة».
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة