فتوى الرفاعي حول أراضي الإصلاح الزراعي: صراع الدين والقانون وتهديد الاستقرار في سوريا


هذا الخبر بعنوان "فتوى "الرفاعي" .. "الحلال والحرام" في مواجهة القانون.. والسلم الأهلي" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن الجدل الذي أثارته تصريحات مفتي الجمهورية، الشيخ أسامة الرفاعي، بخصوص أراضي الإصلاح الزراعي، مجرد حدث عابر في المشهد السوري، بل كشف عن تحول عميق في طبيعة الخطاب العام. فقد عاد الدين ليحتل مساحة كان من المفترض أن يحكمها القانون والواقع الاجتماعي.
عندما يصرح المفتي بأن الإصلاح الزراعي هو "إفساد للمجتمع الحقيقي"، وأن هذه الأراضي "أُخذت بالغصب"، وأنه "لا يجوز شرعاً شراء هذه الأرض ولا التعامل بها ولا حتى الصلاة فيها"، فإن الأمر يتجاوز كونه رأياً فقهياً معزولاً. يتحول هذا التصريح إلى حكم أخلاقي شامل يمس ملايين السوريين الذين يعيشون على هذه الأراضي منذ أكثر من ستة عقود.
المشكلة لا تكمن في حق رجل الدين في إبداء رأيه، بل في طبيعة اللحظة السياسية التي يأتي فيها هذا الخطاب. فالإصلاح الزراعي في سوريا لم يكن مجرد قرار أيديولوجي، بل قانوناً صدر عام 1958، أعاد رسم البنية الاجتماعية للريف، وحدد سقف الملكية الزراعية، ووزع الأراضي على عشرات آلاف العائلات الفلاحية. تشير تقديرات دولية إلى أن ما بين 80 ألفاً و250 ألف أسرة زراعية شملتها هذه العملية بدرجات مختلفة، وهو ما يعني أن حياة ملايين السوريين الاقتصادية والاجتماعية قامت على هذا التحول التاريخي.
ناقش العديد من المفكرين والمنظرين العالميين أهمية الإصلاح الزراعي كخطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي. فقد رأى الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز أن توزيع الأصول الإنتاجية، وفي مقدمتها الأرض، يعد شرطاً لبناء اقتصاد سوق عادل. بينما اعتبر الباحث الكوري ها - جون تشانغ أن الإصلاح الزراعي في شرق آسيا كان أحد أسرار بناء الطبقة الوسطى التي قادت النمو الاقتصادي لاحقاً. أما المؤرخ الاقتصادي بارينغتون مور، فقد ذهب إلى أن مسار الديمقراطية في كثير من الدول مرّ عبر تفكيك الإقطاع الزراعي قبل أي تحولات سياسية كبرى.
هذه النقاشات لا تعني أن تجربة الإصلاح الزراعي في سوريا كانت مثالية، لكنها توضح أن إعادة توزيع الأرض لم تكن بدعة اشتراكية، بل سياسة اعتمدتها دول رأسمالية أيضاً، من فرنسا ما بعد الثورة الفرنسية إلى اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. لذلك، فإن تحويل القضية إلى مسألة "حلال وحرام" يتجاهل قرناً كاملاً من الأدبيات الاقتصادية التي رأت في الإصلاح الزراعي أداة لإعادة التوازن الاجتماعي.
استند المفتي الرفاعي في حديثه إلى قاعدة شرعية تقول إن "مال المسلم لا يؤخذ إلا بطيب نفس"، معتبراً أن الأراضي صودرت من مالكيها الأصليين ظلماً. لكن هذا الطرح يتجاهل بدوره سؤالاً تاريخياً طرحه كثير من الباحثين السوريين، ومنهم الاقتصادي سمير سعيفان، حول كيفية تشكل الملكيات الكبرى أصلاً. فقد نشأ جزء كبير منها عبر امتيازات سلطانية عثمانية أو عبر علاقات نفوذ مع سلطات الانتداب، وليس بالضرورة نتيجة جهد إنتاجي مباشر. كما أن القانون السوري لم يمنح الفلاحين ملكية مطلقة للأرض بل حق انتفاع منظماً، ما يجعل القضية أكثر تعقيداً من توصيفها كاغتصاب فردي بسيط.
تكشف ردود الفعل على تصريحات المفتي عن قلق واسع في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية السورية. مرجع هذا القلق هو أن إعادة فتح ملف الملكيات الزراعية القديمة قد يهدد الاستقرار الريفي ويعيد إنتاج صراع طبقي كامن منذ عقود. كما أن الخطاب الديني عندما يتقدم على القانون في مسائل الملكية يفتح الباب أمام فوضى تأويلية لا يمكن ضبطها، لأن كل علاقة اقتصادية يمكن إعادة تفسيرها أخلاقياً خارج الإطار القانوني.
لم يكن هذا الجدل دينياً بحتاً، بل اتخذ بعداً إنسانياً واضحاً. ملايين الفلاحين الذين بنوا منازلهم وحفروا آبارهم وزرعوا أراضيهم طوال ثلاثة أجيال وجدوا أنفسهم فجأة أمام خطاب يوحي بأن حياتهم اليومية قامت على "مال حرام"، وهو توصيف لا يمكن فصله عن آثاره النفسية والاجتماعية. هنا يصبح السؤال: هل وظيفة الفتوى معالجة تعقيدات التاريخ أم فتح جروح اجتماعية جديدة؟
تجارب العالم تظهر أن العبث المتأخر بملف الأرض غالباً ما يحمل كلفة سياسية واجتماعية عالية. ففي غواتيمالا، أدى التراجع عن الإصلاح الزراعي بعد انقلاب عام 1954 وإعادة الأراضي إلى كبار الملاّك إلى صراع ريفي طويل انتهى بحرب أهلية امتدت عقوداً. وفي كولومبيا، ساهم تركّز الملكية الزراعية ومحاولات إعادة السيطرة على أراضي الفلاحين في تغذية واحدة من أطول النزاعات المسلحة في العالم، حيث تحولت الأرض إلى وقود للصراع بين الدولة وحركات التمرد الريفية. أما في تشيلي، فقد أدى التراجع عن الإصلاحات الزراعية بعد انقلاب 1973 إلى تعميق الانقسام الطبقي وتوترات اجتماعية طويلة الأمد، بينما شهدت البرازيل موجات عنف وصدامات متكررة نتيجة استمرار تركّز الملكية بيد قلة وظهور حركات ريفية احتجاجية واسعة.
هذه الأمثلة لا تعني أن كل إصلاح زراعي يقود إلى الاستقرار تلقائياً، لكنها تظهر أن إعادة فتح ملف الأرض بعد ترسّخه اجتماعياً قد تتحول إلى شرارة نزاع يصعب احتواؤه، خصوصاً في مجتمعات خارجة من أزمات عميقة. في السياق السوري، قد يكون أخطر ما في خطاب المفتي الرفاعي ليس مضمون الفتوى نفسها، بل الرسالة الضمنية التي تقول إن الشرعية الدينية يمكن أن تتجاوز الشرعية القانونية.
فعندما يُطرح نقاش حول ملكيات نشأت منذ أكثر من ستة عقود خارج إطار القضاء والقانون، يتحول المجال العام إلى ساحة صراع رمزي بين الفقراء والأغنياء، وبين الريف والمدينة، وهو صراع أثبت التاريخ السوري حساسيته الشديدة تجاهه. إن استدعاء الدين إلى تفاصيل الملكية الزراعية في لحظة انتقالية هشة قد يفتح باباً لا يمكن إغلاقه. فالقضية لم تعد نزاعاً بين ملاك وفلاحين فقط، بل أصبحت جزءاً من ذاكرة اجتماعية تشكلت عبر أجيال. وإذا ما فُهمت هذه الفتوى كمدخل لإعادة النظر في توزيع الأرض، فإنها قد تدفع البلاد نحو توترات اجتماعية عميقة، وربما نحو نزاعات محلية يصعب احتواؤها.
لا أحد ينكر حق النقاش حول أخطاء السياسات الاقتصادية السابقة، لكن الفرق كبير بين مراجعة علمية هادئة وبين خطاب ديني شامل يجرّد ملايين الناس من شعورهم بالشرعية. فالدول الحديثة تُدار بالقانون والمؤسسات، لا بالأحكام الأخلاقية العامة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملكية الأرض التي تشكل أساس الاستقرار الاجتماعي. في النهاية، تبدو القضية أبعد من فتوى أو رد فعل عليها. إنها تعبير عن لحظة يتقدم فيها الخطاب الديني إلى مساحة ينسحب منها القانون تدريجياً. وإذا استمر هذا المسار، فقد يتحول النقاش حول الإصلاح الزراعي من جدل فكري إلى شرارة صراع اجتماعي جديد، في بلد أنهكته الحروب ولا يحتمل فتح جبهات داخلية إضافية.
سياسة
سياسة
سوريا محلي
سياسة