مدونة السلوك الإعلامي السورية: تساؤلات حول التطبيق والمراقبة وآليات المساءلة


هذا الخبر بعنوان "بعد مدونة السلوك.. من يطبق ومن يراقب وكيف؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في منتصف شهر شباط الحالي، شهدت سوريا إشهار مدونة السلوك المهني لقطاع الإعلام، برعاية وزارة الإعلام السورية، وذلك بعد جهود استمرت نحو ستة أشهر. أثار هذا الإطلاق، كغيره من القضايا، تساؤلات حول مدى إلزامية تطبيق المدونة وحجم التدخل الحكومي المحتمل فيها.
على الرغم من أن وزارة الإعلام لم تتدخل في صياغة المدونة، إلا أن رعايتها ودعمها أثارا بعض الاستهجان. تجدر الإشارة إلى أن هذا النمط من الرعاية الحكومية ليس فريدًا، ففي العديد من دول العالم، تُقدم الحكومات الدعم لمبادرات مماثلة دون التدخل في المحتوى. ويُعد "ميثاق الشرف الإعلامي لتعزيز السلم الأهلي في لبنان"، الذي أُطلق عام 2013، مثالًا قريبًا على ذلك. فقد بدأ العمل على هذا الميثاق بالتعاون بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام اللبنانية، ثم عُرضت مسودته على رؤساء تحرير ومديري نشرات أخبار ومسؤولين إعلاميين تم اختيارهم من قبل مديري المحطات والوسائل الإعلامية المشاركة.
تُساق تجربة لبنان لتوضيح أن الظروف قد تستدعي وجود إطار حكومي داعم لا متدخل. وقد وقع على المدونة في سوريا 34 كيانًا إعلاميًا، شملت صحفًا وإذاعات وتلفزيونات وتشكيلات نقابية، بما في ذلك الإعلام الرسمي، وهو ما تؤكده الوثائق التي نشرتها الأطراف المشاركة، ومنها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة الإعلام اللبنانية.
السؤال الأهم اليوم هو: ماذا بعد إطلاق هذه المدونة في سوريا؟ يأتي هذا التساؤل في سياق يتسم بفوضى النشر والإعلام المضلل وخطاب الكراهية، وهي ظواهر تهدد حق الجمهور في المعرفة وتتسبب في التحريض والانقسامات المجتمعية. لقد تُرِكت مدونة السلوك مفتوحة أمام التطوير والتعديل المستقبلي حسب الحاجة، ولم يُحسم بعد أمر الجهة أو الكيان الذي سيتولى مراقبة تطبيقها والنظر في آليات المساءلة والمتابعة، لتحقيق الأهداف المرجوة منها.
يتطلب تفعيل المدونة عددًا من الاحتياجات الأساسية، أبرزها:
تُطرح عدة سيناريوهات محتملة لآلية المتابعة والمراقبة، منها:
تستدعي المقارنة بالنموذج البريطاني (Ofcom) الأخذ بالاعتبار الفروقات الجوهرية في السياقين القانوني والسياسي بين بريطانيا وسوريا، مما يجعل تطبيق هذا النموذج صعبًا على المدى القريب. لذا، من الأجدى حاليًا التركيز على آليات التطبيق، خاصة إذا لم تكن هناك إشكالية في مضمون مدونة السلوك التي رعتها وزارة الإعلام.
إن الجدل الدائر حول المدونة يعكس حيوية القطاع الإعلامي في سوريا، وهو أمر مطلوب ويدل على تحول ملحوظ في الحريات الصحفية، كما يرى الصحفيون أنفسهم. لكن هذا التحول يحتاج إلى تعزيز وتثبيت من خلال الإسهام الإيجابي وأخذ المبادرة، مع التأكيد على الوظيفة الأساسية للإعلام في خدمة مصلحة الجمهور، واعتباره شريكًا في التنمية لا عامل ضعف، ومساحة لتوسيع الهوامش السياسية والمشاركة لا التضييق، وفاعلًا أساسيًا في السلم المجتمعي لا أداة تحريض أو تضليل.
بعد إطلاق المدونة، يحتاج القطاع الإعلامي إلى بلورة رؤية واضحة ومتكاملة تضمن مصالحه وتضبط مساره دون قيود مبالغ فيها. يتطلب ذلك مشاركة ومساهمة إيجابية من الجميع دون استثناء. فليس الهدف هو إصدار البيانات فحسب، بل الأهم هو الجسارة والاستعداد لتولي الأدوار وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص.
إن سوريا اليوم بحاجة ماسة إلى تضافر الجهود. ومن لم يتمكن من المشاركة سابقًا، بإمكانه الآن أن يجد مكانه في هذا الحوار البناء، بعيدًا عن الدوران في حلقة مفرغة بينما تتطور الأمور. ولا يتحقق ذلك بالاحتفال الصاخب، بل بأخذ المبادرة ومنع أي تجاوز أو تعدٍ من أي جهة تنفيذية، والبناء على ما أُنجز. وللحديث بقية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة