جريمة حمص: حين تُعيد الدماء إيقاظ جراح الهوية الطائفية وتحديات بناء الدولة في سوريا


هذا الخبر بعنوان "حين يُقرأ الدم طائفيًا.. عن حمص وأزمة هويتها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شغل السوريون خلال الأسبوع الماضي ببالغ الاهتمام جريمة مروعة وقعت في مدينة حمص، حيث لقي الشاب خضر كراكيت وخطيبته ندى السالم، وكلاهما ينتميان إلى الطائفة العلوية، مصرعهما برصاص مجهولين كانوا يستقلون دراجة نارية. أثارت هذه الحادثة صدمة واسعة النطاق في الشارع المحلي وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما أعادت إلى الواجهة تساؤلات ملحة حول العدالة والأمن، وطبيعة العلاقة بين مكونات المدينة، ودور الطائفة العلوية في نسيجها الاجتماعي. يكتسب هذا الحادث أهمية خاصة في ظل تكرار حوادث القتل المماثلة في الآونة الأخيرة، وفقاً لبعض النشطاء في حمص، التي تعيش حالة من الارتباك في علاقات مكوناتها منذ سنوات عديدة.
لفهم جذور هذا الارتباك، لا بد من العودة إلى التعقيد التاريخي للعلاقة بين المكونين السني والعلوي في حمص. لم تكن هذه العلاقة مستقرة على مر السنين، بل شهدت توترات متراكمة ومحطات دامية تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الجمعية، لا سيما بعد اندلاع الثورة السورية وارتكاب مجزرة الساعة، التي لا يزال جرحها مفتوحاً، وصولاً إلى حادثة تكسير المحال في شارع الحضارة. مع مرور الوقت، تحول الاحتقان إلى قطيعة شبه واقعية على الأرض، خاصة بعد عام 2012، وبدأت المدينة تُعاش لا كهوية جامعة، بل كمجال تتجاور فيه جماعتان تخشيان بعضهما البعض. بمعنى آخر، فإن حمص كمدينة وهوية قد دُمرت منذ سنوات.
في علم النفس الاجتماعي، حين لا تُعالج الصدمة، فإنها لا تبقى حبيسة الماضي، بل تتحول إلى عدسة تفسير دائمة. يصبح الجرح هو المنظار الذي يُقرأ من خلاله كل حدث جديد. هكذا، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل: لمَ حدث؟ وما الذي يعنيه لنا نحن؟ في مجتمع يحمل رضًّا نفسيًا طائفيًا، يصبح أي عنف محتملًا لأن يُقرأ طائفيًا، حتى قبل تبيّن معطياته، التي قد تكون طائفية أو لا تكون. هذه الآلية ليست حكرًا على سوريا؛ فلكل مجتمع رضّه النفسي الخاص، أي نقطة ألمه التي يعيد عبرها تفسير الوقائع. في مصر مثلًا، يتقدم السؤال الطبقي بوصفه الجرح الأكثر حساسية، لذلك تضخمت قبل سنوات حادثة عامل النظافة وطبق "الكشري"، لأنها لامست شعورًا عميقًا بالإهانة الطبقية. لم يكن الحدث بحد ذاته استثنائيًا، لكن الجرح كان حاضرًا، فاستُدعي فورًا. وفي فرنسا، كثيرًا ما يُقرأ الحدث من خلال سؤال الهوية والانتماء: فرنسي أصلي أم مجنّس؟ أبيض أم أسود؟ مسلم أم غير مسلم؟ العدسة تختلف، لكن الآلية واحدة.
في الحالة السورية، يُعد السؤال الطائفي الأكثر قابلية للاستدعاء لأسباب تاريخية وسياسية معروفة، تراكمت خلال نصف قرن من حكم أمني ارتبط في الخيال الجمعي بصورة طائفية محددة، ثم تعمقت خلال سنوات الثورة. ومع كل حادث جديد، يعود هذا الجرح ليعيد تنظيم الفهم ويقدم تفسيرًا جاهزًا. من هنا تأتي جاذبية عبارة "قتلوه لأنه علوي"؛ إنها تختصر الخوف، وتمنح القلق معنى واضحًا، حتى لو أغلقت الباب أمام احتمالات أخرى.
لا يتوقف الأثر النفسي هذا عند طريقة التلقي فقط، فحين تتكرر الشكوك حول العدالة وسرعة المحاسبة وحياد القانون، فإن المسألة تتجاوز الجريمة إلى صورة الدولة نفسها. فوفق منطق الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز، تقوم الدولة الحديثة على تفويض الأفراد لها سلطة احتكار العنف مقابل الطمأنينة، إنها الـ"Leviathan"، مستعيرًا وصف هذا الحيوان الأسطوري الذي ورد ذكره في العهد القديم، ليعبر استعاريًا عن هذا الكيان الذي يحتكر العنف. أما في التحليل النفسي، فيمكن فهم الدولة بوصفها ما يسميه لاكان "Nom du Père"، أي "اسم الأب" الذي يمنح القانون شرعيته ويضع حدًا للفوضى.
إذا بدا هذا "الأب" غير عادل أو غير قادر على الحماية المتساوية، فإن وظيفته الرمزية تتآكل. وعندها لا يعود الناس مواطنين داخل إطار جامع، بل جماعات تبحث عن حماية ذاتية. بعد فقدان الأب لوظيفته تتفكك الرابطة الأسرية، وهنا تكمن الخطورة: ليس في الجريمة بحد ذاتها، بل في اهتزاز الثقة بالمرجع الذي يفترض أن يكون فوق الانقسام. لقد جرى تقويض فكرة الدولة في سوريا منذ سنوات عديدة بواسطة الأسد الأب، وذلك حين جرى التعامل مع المواطنين على أساس هوياتهم لا على أساس مواطنتهم. ومع تراكم ذلك، انهارت الهوية الجامعة وتفتت المجتمع. واليوم، في لحظة ما بعد الانهيار، يدرك كثيرون حجم العبء الملقى على عاتق السلطة الجديدة في إعادة بناء الهوية السورية من جديد، غير أن هذا المسار لا يُنجز بالاحتفالات المتكررة، والمهرجانات التي أصبح لا حصر لها، أو بلغة الإنجازات السريعة، تلك المليارات التي نشاهدها في الإعلام فقط، بل يتحقق ذلك بعمل جاد على ترميم الثقة وإرساء المساواة الفعلية أمام القانون.
إن أول خطوة في إعادة بناء الدولة ليست خطابًا سياسيًا، بل عدالة واضحة ومتوازنة، تعيد تثبيت الـ"Leviathan" كضامن للجميع، وتُحيي "اسم الأب" كرمز جامع لا كطرف في الانقسام. من دون ذلك، سيبقى الجرح حاضرًا، وستظل كل جريمة شرارة تُعيد إشعال الخوف، ولن تستعيد المدينة هويتها، ولا الدولة معناها.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة