قرار العفو العام في سوريا: بين الضرورة الانتقالية وحدود الإعلان الدستوري


هذا الخبر بعنوان "العفو العام وحدود الإعلان الدستوري" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار قرار العفو العام، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع بالتزامن مع حلول شهر رمضان، جدلاً واسعاً في الأوساط السورية. لم يقتصر النقاش على مضمون العفو المباشر، الذي يقتصر على قضايا جنائية محددة بشروط مدروسة ولا يمس حقوق الضحايا أو الجرائم المرتكبة بحق السوريين، بل امتد ليشمل تساؤلاً دستورياً طرحه نشطاء وحقوقيون حول ما إذا كان الإعلان الدستوري يتضمن أصلاً صلاحية إصدار مثل هذا العفو. هذا الاعتراض، في جوهره القانوني، لا يطعن في مبدأ العفو نفسه بقدر ما يشكك في مرجعيته النصية. ومع ذلك، فإنه يفتح الباب أمام فهم أعمق لطبيعة المرحلة التي تمر بها سوريا، والتي تُعد لحظة تأسيسية حيوية تتقدم فيها القرارات السياسية الكبرى أحياناً على اكتمال الإطار الدستوري المفترض أن ينظمها.
إن الإشكالية المطروحة لا تتعلق بعفو شامل عن انتهاكات أو جرائم سياسية أو حقوقية، فالقرار لا يتضمن ذلك أصلاً، بل تدور حول مكانة هذا القرار ضمن هرم الشرعية القانونية الذي لم يكتمل بعد. يمثل هذا الجدل نموذجاً للمنطقة الرمادية التي تمر بها الدول الخارجة من الانهيار، حيث يتجاور النص التأسيسي الذي يهدف إلى الضبط مع واقع انتقالي يفرض اتخاذ قرارات عاجلة لإدارة المجتمع وضمان استمرارية عمل الدولة. في هذه المنطقة بالذات، تُتخذ القرارات السياسية الهامة، ليس لأنها خارج القانون، بل لأن القانون نفسه لا يزال في طور التشكيل.
إن الدولة التي تنشأ بعد ثورة أو تحرر جذري لا تبدأ بصفحة دستورية مكتملة، بل تنطلق من إعلان معياري يحدد التوجه العام، ثم تخوض مساراً طويلاً لتحويل هذا التوجه إلى نظام مؤسساتي مفصل. خلال هذا المسار، تظهر حتماً فجوات بين النص والصلاحيات الفعلية، وبين المبادئ والإجراءات، وبين ما هو مكتوب وما يجب تنفيذه فوراً لضبط المجتمع. هذه الفجوات ليست حالة شاذة خاصة بسوريا، بل هي سمة بنيوية لكل مراحل التأسيس، حيث تضطر السلطة الانتقالية لاتخاذ قرارات ضرورية قبل اكتمال الأطر القانونية التي ستنظمها لاحقاً.
في هذا الإطار، يمكن فهم قرار العفو على أنه يتحرك ضمن هذه المنطقة نفسها: منطقة التوتر المستمر بين النص القانوني والضرورة العملية. فبينما يرسم الإعلان الدستوري آفاق العدالة وسيادة القانون، فإنه لا يستطيع في مراحله الأولى أن يشمل جميع أدوات إدارة مجتمع خرج من انهيار طويل. في المقابل، لا يمكن للسلطة الانتقالية تجميد قراراتها بانتظار اكتمال البناء الدستوري التفصيلي، فالمجتمع يحتاج إلى إدارة فورية لمنع الفوضى وتسهيل إعادة الدمج وتخفيف الأعباء الجنائية المتراكمة. هنا تحديداً ينشأ الاحتكاك بين شرعية نصية قيد التشكيل وشرعية وظيفية تفرضها ضرورة استمرار الدولة.
يكشف النقاش السوري حول صلاحية العفو، في جوهره، عن هذا الاحتكاك البنيوي. فالمعترضون يستندون إلى منطق دستوري واضح يؤكد على ضرورة التزام الشرعية الجديدة بحدود النص الذي أعلنها. في المقابل، ينطلق مؤيدو القرار من منطق انتقالي لا يقل مشروعية، مفاده أن السلطة التأسيسية قد تضطر أحياناً لممارسة صلاحيات أوسع من تلك المنصوص عليها في النص الأولي لضبط الواقع الذي لم يتم تنظيمه بعد. لا يوجد تعارض مطلق حقيقي بين هذين المنطقين، بل هي قضية توتر طبيعي يشكل جزءاً لا يتجزأ من عملية التحول ذاتها.
تتجلى هنا أهمية الحالة السورية. فقرار العفو، بحدوده الضيقة وشروطه المدروسة، لا يمس جوهر العدالة أو حقوق الضحايا، لكنه في الوقت ذاته يتجاوز التفسير الحرفي الضيق للإعلان الدستوري كما يراه بعض الحقوقيين. هذا التباين لا يعني بالضرورة إلغاء للإعلان، بل يوضح أن النص التأسيسي لا يعمل في فراغ ثابت، وإنما ضمن واقع متحرك يفرض على السلطة الانتقالية اتخاذ قرارات تنظيمية قبل اكتمال الأطر الدستورية التفصيلية التي ستشرعنها لاحقاً.
إن ما يجري هنا هو مثال جلي على "منطقة التوتر الدائمة التي تُتخذ فيها القرارات السياسية الحاسمة" في جميع مراحل التأسيس. إنها منطقة يكون فيها الخيار بين قانون قيد التشكيل وضرورة ملحة لا تنتظر، وليس بين قانون مكتمل أو فوضى. في هذه المنطقة، لا يكمن التحدي الحقيقي في إزالة التوتر، بل في كيفية إدارته دون أن يؤدي إلى تقويض الشرعية أو شلل الدولة. لذا، فإن النقاش حول العفو، إذا بقي ضمن إطاره القانوني الرصين، يُعد جزءاً صحياً من مسار التأسيس، فهو يذكر السلطة بحدود النص الذي تستند إليه، ويذكر المجتمع بأن النص نفسه يتشكل ضمن واقع لم يستقر بعد.
غير أن الخطر يكمن في تحويل هذا التوتر إلى اتهامات متبادلة بنقض الثورة أو القانون، لأن مراحل التأسيس تُدار بإدراك أن الشرعية تُبنى تدريجياً من خلال التفاعل بين النص والقرار، وليس عبر ثنائيات حادة. بناءً عليه، لا ينبغي قراءة قرار العفو في سوريا اليوم على أنه خروج على الإعلان الدستوري، ولا على أنه تطبيق مثالي له. إنه قرار انتقالي يتحرك ضمن المساحة التي لم يحسمها النص بعد. هذه المساحة هي ذاتها التي تتشكل فيها الدولة الجديدة، ليس من خلال تطابق فوري بين القاعدة والواقع، بل عبر مسار متدرج يتم فيه إعادة ضبط العلاقة بينهما.
تعبر المجتمعات نحو الدولة الجديدة عبر جدل مؤلم بين طموحات ثوراتها وما تستطيع دولها الناشئة تحمله، وهو عبور لا يتم دفعة واحدة. تعيش سوريا اليوم مرحلة لا تزال فيها القواعد قيد الصياغة بينما الدولة تعمل، والمؤسسات تتشكل بينما المجتمع يتحرك. في مثل هذه اللحظات، ستظهر حتماً قرارات تسبق النصوص، ونصوص تلحق بالقرارات. هذا ليس بالضرورة علامة خلل، بل هو في الحقيقة مؤشر على أن عملية التأسيس جارية. يبقى السؤال: هل يُدار هذا التوتر بوعي يحافظ على أفق العدالة وسيادة القانون؟ أم يتحول إلى صراع يقوض الثقة بين الدولة والمجتمع؟ هنا، وليس في وجود العفو بحد ذاته، يكمن الاختبار الحقيقي للمرحلة السورية الراهنة.
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي