سوريا تستعيد حقول النفط الشرقية: تحول استراتيجي ينهي التبعية ويُعيد تشكيل معادلة الطاقة


هذا الخبر بعنوان "النفط السوري يعود: كيف تغير معادلة الطاقة بعد تحرير الحقول الشرقية" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد قطاع الطاقة السوري تحولاً استراتيجياً غير مسبوق منذ عقد من الزمن، حيث استعادت الحكومة السورية سيطرتها الكاملة على حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد قبل نحو شهر. هذا الإنجاز يضع حداً لسنوات من السيطرة الكردية، المدعومة أمريكياً، على أهم ثروات سوريا الطبيعية. إن هذا التطور الميداني، مقترناً بتأسيس شراكات دولية جديدة، يُعيد صياغة معادلة الطاقة في سوريا ويُمهد الطريق لإعادة هيكلة شاملة لسياسة تسعير المشتقات النفطية محلياً. فما هي أبرز التغييرات التي طرأت، وكيف يمكن بناء سياسة تسعير مستدامة في ظل هذه المتغيرات الكبرى؟
بعد دخول القوات الحكومية إلى مدينتي الرقة ودير الزور ومناطق الحسكة الشمالية، تسلمت فرق الصيانة والفنيون السوريون حقول رميلان، السويدية، العمر، وكونيكو، التي تُعد الأكبر في سوريا. كانت هذه الحقول تنتج قبل عام 2011 ما يقارب 250 ألف برميل يومياً من النفط الخام ونحو 14 مليون متر مكعب من الغاز، لكنها تعرضت لتدهور كبير جراء الحرب والنهب المنظم.
في الأسابيع الأولى من استلامها، نجحت الكوادر السورية، بالتعاون مع شركات محلية ودولية، في إعادة تشغيل 65% من الآبار المتوقفة. وقد وصل الإنتاج الحالي إلى ما بين 95 و110 آلاف برميل يومياً من النفط، وحوالي 8 ملايين متر مكعب من الغاز. ومن المتوقع أن يستمر هذا الإنتاج في التصاعد بفضل الجهود المبذولة لتأمين معدات حفر جديدة.
يمثل التوفير الذي تحققه هذه الإنتاجية لخزينة الدولة الرقم الأبرز في هذه المعادلة. فبحسب تقديرات وزارة النفط، كانت سوريا تستورد قبل استعادة الحقول ما بين 80 إلى 100 ألف برميل يومياً من النفط الخام والمشتقات، بتكلفة شهرية تناهز 250 مليون دولار، أي ما يعادل حوالي 3 مليارات دولار سنوياً. كانت هذه الفاتورة تستنزف الاقتصاد السوري المترنح، وكانت إيران تمول جزءاً منها عبر قروض ميسرة للحكومة السورية ضمن ما عُرف بـ "خط ائتماني".
مع استعادة الحقول الشرقية، انخفضت فاتورة الاستيراد بأكثر من 70%. وتشير التقديرات إلى أن سوريا قد تحقق الاكتفاء الذاتي الكامل من المشتقات النفطية الأساسية مثل البنزين، المازوت، والفيول خلال الربع الثالث من العام الجاري، مع إمكانية التحول إلى مصدر صافٍ للطاقة بحلول عام 2027. هذا التحول يعني أن الدولة لم تعد بحاجة لدفع مليارات الدولارات سنوياً لشراء النفط من الخارج، بل أصبح لديها فائض يمكن تسويقه، وموارد يمكن استثمارها في إعادة بناء قطاع الطاقة ذاته.
يُعزز هذا التحول الاستراتيجي توقيع عقود وشراكات مع شركات عالمية كبرى. من أبرزها مذكرة التفاهم مع شركة شيفرون الأمريكية وشركة باور إنترناشيونال القطرية للتنقيب في أول حقل بحري سوري. كما تجري مفاوضات متقدمة مع شركات مثل توتال إنرجي الفرنسية، إيني الإيطالية، وكونوكو فيليبس الأمريكية بهدف تطوير الحقول القائمة والتنقيب عن احتياطيات جديدة.
تُنهي هذه الشراكات فعلياً حقبة الاعتماد على مورد واحد (إيران)، وتفتح الأبواب أمام تدفق التكنولوجيا الحديثة والاستثمارات المباشرة، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على كفاءة الإنتاج وجودة المشتقات النفطية.
مع هذه المتغيرات الجوهرية في جانب العرض والإنتاج، تواجه الحكومة السورية تحدياً مصيرياً يتمثل في كيفية بناء سياسة تسعير للمشتقات النفطية في المرحلة القادمة. بينما يشير المنطق الاقتصادي إلى أن استعادة الإنتاج المحلي يجب أن تنعكس إيجاباً على سعر المستهلك النهائي، إلا أن الواقع أكثر تعقيداً.
تظل الكلفة الحقيقية للإنتاج المحلي (الاستخراج، التكرير، النقل) مرتفعة بسبب البنية التحتية المتضررة والحاجة لاستثمارات ضخمة لإعادة التأهيل. علاوة على ذلك، تلتزم الحكومة الجديدة بمعايير المؤسسات المالية الدولية التي تفرض تصحيح الدعم تدريجياً. في هذا السياق، يمكن اعتماد تسعيرة عادلة ومستدامة بناءً على الأسس التالية:
تمتلك سوريا اليوم فرصة نادرة تتمثل في استعادة مواردها الطبيعية، وإقامة شراكات دولية جديدة، وبناء قطاع طاقة مستدام يتحرر من التبعية السياسية. يعتمد نجاح هذه المرحلة على قدرة الحكومة على إيجاد توازن دقيق بين عدة عوامل:
إن المواطن السوري، الذي عانى لسنوات من انقطاع الخدمات والطوابير الطويلة والسوق السوداء، يستحق اليوم أن يرى ثمار استعادة الثروة الوطنية. فإذا ما بُنيت التسعيرة الجديدة بشفافية وتدرج وعدالة، يمكن أن تكون نقطة تحول نحو اقتصاد وطني قوي، بدلاً من أن تُشكل عبئاً إضافياً على شعب أنهكته الظروف.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد