واشنطن بوست: صور ترامب على المؤسسات الحكومية تثير قلقاً من انزلاق أمريكا نحو السلطوية


هذا الخبر بعنوان "واشنطن بوست : ترامب يضع صوره على المؤسسات الحكومية كما كان يفعل بشار و حافظ الأسد و غيرهما من الديكتاتوريين" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة تشير إلى تحول في التقاليد الراسخة، علّقت وزارة العدل الأمريكية لافتة ضخمة بلون أزرق رمادي تحمل صورة الرئيس دونالد ترامب على واجهة مبناها المطلة على شارع بنسلفانيا. هذا المبنى، الذي يحمل اسم السيناتور المغتال والوزير السابق والمدعي العام والمرشح الرئاسي روبرت ف. كينيدي، يتميز بتصميمه المضلع رباعي الزوايا المشطوفة ويقع ضمن مجمّع “الفيدرال تريانغل” الذي يعود إلى حقبة الكساد الكبير، ويضم أيضاً مبنى لجنة التجارة الفيدرالية المعروف باسم “مبنى أبيكس” ومبنى رونالد ريغان. وتعد هذه الخطوة انضماماً لوزارة العدل، التي اعتادت العمل باستقلال عن السيطرة السياسية المباشرة، إلى وزارتي الزراعة والعمل في عرض صور واسعة النطاق للرئيس السابع والأربعين.
تتدلّى اللافتة، التي ثُبّتت يوم الخميس، بين عمودين أيونيين يحددان مساحة شبيهة بالشرفة تعلو مدخلاً احتفالياً للمبنى. ويجعل انحراف زاوية المبنى هذه الواجهة الضيقة مرئية بشكل لافت على امتداد شارع بنسلفانيا، الذي يُعد المحور الرمزي الأهم في عاصمة البلاد، ويربط بين مبنى الكابيتول الأميركي والبيت الأبيض. هذا المسار هو نفسه الذي تسلكه مواكب التنصيب الرئاسية والمسيرات الكبرى والاحتجاجات واستعراضات قوة الدولة، بما في ذلك الاستعراض الكبير للجيوش عام 1865 بعد النصر في الحرب الأهلية.
يشير المقال إلى أن مخرجاً سينمائياً يسعى لتصوير رؤية ديستوبية للفاشية السلطوية الأميركية لن يجد موقعاً أفضل لتنظيم خطاب أو تجمع يقوده “الزعيم العظيم”. يبدو المكان كشرفة “إيفيتا”، حيث تركز الخطوط العمودية الطويلة الانتباه بشدة على اللافتة ووجه الرئيس. إن نسب المبنى، ولون الحجر، والكلاسيكية المجردة في معماره، يمكن أن تشكّل بديلاً جيداً لموقع الخطاب الشهير الذي ألقاه الطاغية الروماني نيكولاي تشاوشيسكو عام 1989، قبل أن يُقابل بالاستهجان ويُطاح به ويُعدم بعد أيام قليلة.
من خلال موضعها وتكوينها، توحي اللافتة بثقافة المراقبة. فبوضعها في موقع يضمن أقصى قدر من الرؤية، وجّهت وزارة العدل الصورة بحيث توحي أيضاً بأقصى درجات الإشراف أو الرقابة على المدينة، وعلى نحو أوسع، على الشعب والبلاد بأسرها. ويجعل مخطط الألوان الأزرق الرمادي الرئيس يبدو كحضور ظِلّي، أو حضور دائم، في مقابل ضوء الشمس المرتبط بالقيم الديمقراطية الأساسية: الشفافية، والانفتاح، والتنوير. لقد تقدّم هذا الظل بسرعة صادمة خلال الأشهر الثلاثة عشر الماضية.
الرئيس، الذي يقوم نموذجه التجاري على العلامة التجارية أكثر من البناء أو التطوير، وضع صورته ليس فقط على المباني، بل أيضاً على تصاريح المواسم الخاصة بخدمة المتنزهات الوطنية، وعلى تصاميم عملات قد تصدر قريباً عن وزارة الخزانة الأميركية (رغم وجود قانون يحظر ذلك). وقد أضيف اسمه الآن فعلياً إلى مركز جون ف. كينيدي للفنون الأدائية (وهو نصب تذكاري للرئيس الخامس والثلاثين) وإلى معهد السلام الأميركي. وتُرسّخ اللافتة الجديدة على مبنى روبرت ف. كينيدي لوزارة العدل، في رمزيتها، ما هو قائم بالفعل عملياً: إذ أعاد الرئيس توظيف الوكالة لتصبح أداة للثأر السياسي الشخصي والانتقام الحزبي.
وكما هو الحال مع كثير من التطورات خلال العام الماضي، ومع انزلاق البلاد أعمق في حقبة جديدة من السلطوية، يكتنف كل ذلك عنصر هزلي قاتم يثير مزيجاً من المشاعر المعقدة. قبل عام، كان هذا سيبدو عبثياً؛ أما الآن، فإن استيعاب تلك العبثية يبدو كعمل قسري يُقصد به تشتيت الذهن وتخدير الضمير. الديمقراطيات لا تحتفي بقادتها الوطنيين على هذا النحو التمجيدي الصريح؛ لكن ديمقراطيتنا تفعل الآن. وبينما ينتقل الذهن من الضحك إلى الغضب ثم إلى الإقرار المتردد بواقع جديد، يزداد عالم الظلال، عالم السيطرة والمراقبة واللايقين، رسوخاً.
يذكر الكاتب أن المرة الأولى التي زار فيها بلداً تنتشر فيه صور قائد مستبد في كل مكان كانت عام 2004، حين أمضى أسبوعاً في دولة الشرطة السورية التي كان يديرها بشار الأسد. كانت صورته غالباً ما تُعرض إلى جانب صورة والده، حافظ الأسد، وكانا رجلين قبيحين، ظاهراً وباطناً، سفاحين ووحشيين. إن حضورهما الطاغي على جوانب المباني، وعلى اللافتات المعلقة على أعمدة الإنارة، وعلى جدران كل مكتب مهما كان هامشياً، جعل قبحهما يبدو كأنه جزء من الطقس، حيث يتكيف الناس معه ويشتكون منه ويمزحون بشأنه. وإذا كان المرء سورياً، كان دائماً يلقي نظرة سريعة إلى مساحات الظل قبل أن يقدم مجاملاته الجوفاء للأسدين.
لقد أُزيلت تلك اللافتات، كما أُزيلت صور تشاوشيسكو، إلى جانب صور عدد لا يُحصى من الطغاة الذين تتذكرهم أو تنساهم صفحات التاريخ. إن تعليق هذه الصور يبدو تقريباً كأنه “بندقية تشيخوف”، تلك القاعدة الدرامية والسردية التي تقول: “إذا قلت في الفصل الأول إن هناك بندقية معلقة على الجدار، ففي الفصل الثاني أو الثالث لا بد أن تُطلق”. عندما تضع هذا النوع من الصور في فضاءات ديمقراطية، فضاءات لم تمسها ظلال السلطة المطلقة الأحادية اللون، فإنك تمهّد للفصل الأخير، حين تُزال حتماً. نحن في الفصل الأول، وسيتبع الفصل الثالث. ما يبعث على القلق هو أحداث الفصل الثاني المجهولة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة