أحمد خليل: الفنان السوري الذي رحل جسداً وبقي روحاً.. إرث فني يرفض القيود ويصنع الحرية


هذا الخبر بعنوان "الفنان التشكيلي أحمد خليل الراحل الذي لم يرحل:لايرسم اللوحة فحسب بل يرسم حوله مناخاً من الحرية ويترك في القلب ضجيجاً جميلاً لا يهدأ..وترك إرثاً فنياً غنياً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن الفنان التشكيلي السوري الراحل أحمد خليل مجرد اسم عابر في ذاكرة الكاتب علي نفنوف، بل كان يمثل شغباً يمشي على قدمين وفوضى جميلة تعرف طريقها إلى النور. جمعتهما علاقة فريدة قائمة على الإعجاب المتبادل، وكأنهما اتفقا على إقلاق سكون المدينة كلما التقيا. لم تكن لقاءاتهما مرتبة أو خاضعة لقواعد اللياقة الباردة، بل كانت عبثية صاخبة ومفعمة بمحبة صافية لا تعرف التصنع.
في مرسمه، الذي كان عنواناً للابتسامة والمزاج الرائق، كانا يجلسان ليحتسيا "خمر الألوان" ويرسما بقوارير العطر لوحات مشاغبة تشبههما. كانت الجدران تصغي إلى ضحكاتهما، وكانت الفوضى بينهما نوعاً من النظام الخفي الذي لا يدركه إلا من آمن بأن الفن ليس تهذيباً زائداً، بل حياة تُعاش حتى أقصاها. هكذا عرفه الكاتب، وهكذا بقي في ذاكرته: فناناً لا يرسم اللوحة فحسب، بل يرسم حوله مناخاً من الحرية ويترك في القلب ضجيجاً جميلاً لا يهدأ.
ولد أحمد خليل عام 1954 في مدينة الدريكيش بمحافظة طرطوس. اختار أن يكون فناناً تشكيلياً ومختصاً في الديكور، ليجمع بذلك بين الحس الجمالي والخبرة التطبيقية التي مكنت أعماله من الحضور في الفضاء العام والتداخل مع المشهد المعماري والبيئي. كان عضواً فاعلاً في اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين وعضواً في جمعية الرسامين في ليبيا، مما يعكس اتساع حضوره خارج الإطار المحلي. كما أدار مركز أحمد خليل للفنون التشكيلية الذي أولى اهتماماً خاصاً بتعليم الأطفال والموهوبين، جاعلاً من تجربته جزءاً من مشروع ثقافي تربوي طويل الأمد لا يقتصر على الإنتاج الفني الفردي.
تميز أحمد خليل بخط فني يرفض الالتزام بمدرسة فنية واحدة، سواء كانت سريالية أو انطباعية، لاعتقاده الراسخ بأن التقيد بمدرسة محددة يحد من الفكر الإبداعي ويقود إلى التكرار. انعكس هذا الموقف الفكري على طبيعة أعماله التي ظلت منفتحة على التجريب والتنوع الأسلوبي، وتبدل الأدوات والأساليب بحسب الموضوع والتجربة الذاتية. تمحورت موضوعاته حول الطبيعة والوجوه والتوثيق البصري للبيئة السورية، حيث حضرت الطبيعة كفضاء وجداني وذاكرة مكانية، بينما شكل البورتريه محاولة لالتقاط البعد الإنساني خلف الملامح. وكان التوثيق البصري للبيئة السورية جزءاً من وعيه بدور الفن في حفظ الذاكرة الجماعية.
أقام الفنان الراحل أكثر من ثلاثين معرضاً فردياً وشارك في خمسين معرضاً جماعياً داخل سوريا وخارجها. كما ترك أعمالاً ميدانية كبرى في الفضاء العام، منها النصب التذكاري في مدينة الدريكيش، وبانوراما جسر السلام على شاطئ طرطوس بالتعاون مع منظمة ال UNDP، وعملاً نحتياً من الرخام بارتفاع اثني عشر متراً عند عقدة بانياس طرطوس القدموس. أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ حضور الفن في المجال العام وربط العمل التشكيلي بالفضاء الاجتماعي اليومي.
كان آخر معارضه بعنوان "تراتيل الفراش"، وهو معرض استثنائي أنجز لوحاته خلال فترات تعافيه القصيرة أثناء رحلة علاجه. صورت اللوحات ذاكرة الألم والمرض والاستلقاء الطويل، إلى جانب الحنين إلى الطبيعة التي حرم منها خلال مرضه. تحولت التجربة الجسدية القاسية إلى مادة بصرية وتأملية جعلت من الفن شكلاً من أشكال المقاومة الوجودية، ومن تحويل المعاناة إلى خطاب جمالي يعيد الاعتبار لقيمة التجربة الإنسانية في لحظات الهشاشة.
حظي أحمد خليل بالتكريم من قبل اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا عام 2005، وحاز على خمس عشرة درعاً وميدالية وعدداً من شهادات التقدير المحلية والدولية. يعكس هذا التقدير اعترافاً مؤسسياً بتجربته الفنية ودوره الثقافي والتربوي في المشهد التشكيلي السوري والعربي. يمكن النظر إلى مسيرته كنموذج لفنان جمع بين الحرية الأسلوبية والانتماء للمكان، وبين الإنتاج الإبداعي والدور الاجتماعي، حيث أسهم في ترسيخ علاقة الفن بالمدينة والناس والذاكرة المحلية، وترك إرثاً بصرياً وإنسانياً قابلاً للقراءة والتأويل والاستفادة في سياق البحث الثقافي والفني المعاصر.
تتخلل ذكريات الكاتب مع أحمد خليل لحظات لا تُنسى، أبرزها في مرسمه حيث كانت الفوضى طقساً يومياً والضحكة موقفاً واللون بياناً مفتوحاً. يتذكر أيام الانتخابات في فندق الشام خلال المؤتمر العام لـ اتحاد الفنانين التشكيليين السوريين، وكيف التف الجميع حول أحمد خليل كالتفاف اللون حول فكرته، وكيف ملأ حضوره المكان ثقة وصخباً حتى فاز. لم يكن فوزاً عادياً، بل انتصاراً لروحه المشاغبة التي تعرف كيف تقنع دون أن تتنازل عن حدتها. كما يذكر لقاءهما الموسع في جونادا حين أجرت الإعلامية ميس محمد حواراً معهما، حيث كانا يتكلمان بعفوية دون أقنعة، وكأن الكاميرا صديق قديم. ولا ينسى برامجه مع الإعلامية المتألقة أجفان قبلان، لا سيما برنامجه التشكيلي "خريف ملون" حيث كان يحول الحوار إلى مساحة لون ويجعل من الشاشة مرسماً آخر يتنفس فيه الفن بعيداً عن الرتابة. هكذا كانت علاقتهما: مواقف، ضجيج، انتصارات صغيرة، وذكريات أكبر من أن تختصر. كان أحمد خليل يعيش الفن كما يُعاش الحب، بلا حسابات وبقلب مفتوح على الدهشة.
توفي الفنان التشكيلي السوري أحمد خليل في صباح الثلاثاء 7 سبتمبر 2021 عن عمر ناهز 67 عاماً، بعد صراع طويل مع مرض عضال. يُعد من أبرز الوجوه الفنية في محافظة طرطوس، حيث ترك إرثاً فنياً غنياً يجمع بين النحت والتصوير الزيتي. شكل رحيله خسارة للمشهد الثقافي السوري لما يمثله من تجربة فنية متفردة ارتبطت بالمكان والإنسان والبيئة البصرية المحلية، وكان حضوره جزءاً من ذاكرة المدينة البصرية ومن المشهد الثقافي اليومي فيها. (المصدر: موقع أخبار سوريا الوطن)
سياسة
اقتصاد
ثقافة
ثقافة