السلطة السورية تنهي مرحلة التمكين وتواجه تحديات بناء الدولة والإصلاح الداخلي


هذا الخبر بعنوان "السلطة السورية تقترب من نهاية التمكين… هل تبدأ مرحلة بناء الدولة؟" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تقترب السلطة السورية من إنهاء مرحلة "تمكين" سلطتها على الجغرافيا السورية ومؤسسات الدولة المختلفة، لتجد نفسها أمام تحدٍ جديد يتمثل في مواجهة مشكلاتها الداخلية المتجذرة ضمن بنيتها، والتعامل مع المخاطر التي نشأت عن إعطاء أولوية للتمكين على حساب بناء الدولة الحقيقي.
على مدى ما يقارب 15 شهراً، اعتمدت السلطات السورية مبدأ التمكين في إدارتها لمؤسسات الدولة، والذي يرتكز على تثبيت سلطتها وقواعدها في الحكم، وإحكام السيطرة على الجغرافيا والمؤسسات. وبحسب سناك سوري وبلال سليطين، فإنه فيما يتعلق بالسيطرة على الجغرافيا ومكامن التهديد فيها، وصلت السلطة إلى مراحلها الأخيرة بعد إغلاق ملف أحمد العودة في درعا، وقبله ملف قسد في شمال شرق سوريا. يتبقى أمامها ملف السويداء، الذي يبدو أنها ستتجه نحو إنهائه قريباً، بغض النظر عن النتيجة المتوقعة. فالهدف والبوصلة واضحان: إزالة جميع مصادر التهديد للجغرافيا وإضعاف صورة السلطة المركزية.
أما بخصوص إحكام السيطرة على المؤسسات، فهي أيضاً في المراحل الأخيرة من تمكين سلطتها. فقد قام النهج المعتمد منذ اللحظة الأولى لتوليها على توزيع كوادر شبكتها القادمة معها بعد إسقاط النظام على مؤسسات الدولة السورية، بهدف تثبيت استقرار السلطة فيها وضمان عدم توليد أي تهديدات لها. وهذا ما يفسر اختيار الكوادر على أسس غير مهنية، ومن خارج سياق المؤسسات ذاتها، بل بناءً على الولاء والارتباط التنظيمي أو العائلي بالسلطة أو بأحد كوادرها الرئيسيين، مما أدى إلى وجود عدة أفراد من عائلة واحدة في مؤسسات مختلفة.
لقد تسبب هذا الواقع بحالات من التخبط والفشل في التعيينات والاختيارات، في ظل غياب المؤشرات الرسمية للأداء والمعايير المهنية والعلنية لاختيار المدراء. ورغم أن البعض قد يبرر ذلك بكونها لحظة انتقالية، إلا أن اعتماد مبدأ التمكين أثر بشكل كبير على مبدأ البناء. فقد كانت الأولوية لكون الشخص "مضموناً" بدلاً من أن يكون خبيراً وصاحب خطة نهضة وتنمية في المهمة التي يتولاها. وهذا أنتج ضعفاً في التخطيط، وتباطؤاً في النمو، وتدهوراً في بعض الحالات، ورسخ منظومة حكم شبكية لديها حساسية تجاه من هم خارج هذه الشبكة. في المقابل، يجد المستبعدون من هذه الشبكة من أصحاب الكفاءة أنفسهم في مواجهة مع المنظومة، كما حدث في تعيينات وزارة الخارجية على سبيل المثال لا الحصر، وهي ربما تكون أقل التعيينات أهمية مقارنة بمدراء المؤسسات الذين هم على احتكاك مباشر مع الناس وأولويات المعيشة والاقتصاد والأمن.
مع اقتراب السلطة من نهاية مرحلة التمكين، وإن تأخرت السيطرة على ما تبقى من الجغرافيا، فإن عملية التمكين في الحكم والانتشار والسيطرة على مؤسسات الدولة ومفاصل الحكم أصبحت شبه منتهية. وبالتالي، تصل هذه المرحلة إلى نهايتها لتبدأ مرحلة جديدة قريباً يمكن وصفها بمواجهة المشكلات الداخلية. وتعد هذه المرحلة أخطر إذا أُديرت بالأدوات نفسها التي أُديرت بها مرحلة التمكين.
في الواقع، السلطة ليست كياناً واحداً ولا رأياً واحداً. ورغم أن الوضع الحالي يوحي بوجود كتلة واحدة، إلا أنها كتلة في مواجهة ما تعتقد أنها مخاطر تهددها، وليست كتلة متجانسة في الأيديولوجيا أو المشاريع السياسية والاقتصادية أو حتى الهويات. ومع انحسار المخاطر التي تهدد السلطة، سيظهر التباين الداخلي إلى السطح بشكل أكبر مما هو عليه الآن، ليس بالضرورة على شكل انقسام معلن وشديد، بل على شكل تعطيل صامت، أو تناقض في القرارات، أو ازدواجية في التنفيذ، وخلافات داخل مراكز قوة غير مرئية.
يمكن ملاحظة هذه الفوارق داخل منظومة السلطة في الهوة الواسعة بين الخطاب على المستوى الأعلى والسلوك على المستوى الأدنى، وبين قدرة المسؤولين في الصف الأول على تغيير الخطاب واللغة والانتقال بالسردية من "الفصيل" إلى "الدولة"، وبين عجز المستوى الأدنى عن ذلك في كثير من المناسبات. وهذا ليس مجرد فرق في اللغة، بل في التصور، على اعتبار أن الدولة تقوم على قواعد، بينما الشبكة والفصيل يقومان على العلاقات، والدولة تعني المؤسسات، بينما الشبكة الحالية تعني الأشخاص بشكل رئيسي.
لكن بعد التمكين، ستبدأ مرحلة مواجهة الواقع بحقيقته واختلافاته داخل المنظومة (الشبكة) الواحدة، التي تبدو كتلة واحدة لكنها في الحقيقة كتل مختلفة. ولكل كتلة حساباتها ومصالحها ورؤيتها للمستقبل، وبعضها يرى نفسه شريكاً في الحكم، وبعضها يرى نفسه صاحب الفضل في الوصول إليه، وبعضها يرى أن لديه مشروعاً يجب أن يُكافأ بحرية تنفيذه في مساحة نفوذه بعيداً عن مشاريع الدولة. وينسحب هذا الأمر على شخصيات منفردة بأدوار متفرقة ترى أنها بذلت تضحيات ويجب أن تُكافأ، بما في ذلك بعض المؤثرين والناشطين.
هنا تبرز الحاجة للانتقال نحو نهج الحصول على الشرعية من الأداء، ونهج بناء الدولة وإدارة الصالح العام، بعيداً عن منطق القوى والتمكين. وكمثال لتوضيح جزء من المشهد، نجد مديراً لمجتمع تربوي تم تعيينه على أساس الولاء، وهو راضٍ بهذا المنصب ويحبه ولا يسعى لغيره، لكنه فعلياً صاحب مشروع مختلف عن مشروع وزارة التربية. وهو يعتقد أنه أكبر من الوزارة وأعلى درجة من الوزير نفسه، بينما الوزارة لديها مشروع آخر يتعارض مع مشروعه. السؤال هنا: أي المشروعين سيُطبق؟ الجواب، سيُطبق مشروعه، وسيدخل في مواجهة مع وزارة التربية متحصّناً بشعوره بأن لديه شرعية فوق شرعية الوزارة التي هو موظف فيها. وبالمناسبة، هو حالياً يطبق مشروعه ولا يستجيب لتعليمات الوزارة، لكنه مع السلطة ويسعى لتمكينها في نفس الوقت، وهنا تظهر المفارقة.
تتخذ المشكلة الداخلية ما بعد التمكين أشكالاً متعددة، منها: المواجهة مع القوى التي تتشكل منها السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، بما فيها المؤثرون بأشكالهم المختلفة، إلى خلاف الهويات الداخلية والرؤى والعلاقة مع المجتمع، إلى تضارب المشاريع الاقتصادية بين من يريد اقتصاداً منفتحاً ومن يريد اقتصاداً مغلقاً، إلى سؤال العلاقة مع المجتمع المحلي في المناطق والمحافظات. هذا طبعاً دون التطرق إلى المشكلة الوطنية الداخلية المتمثلة بالإجابات على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالخدمات للمواطنين وموارد الدولة والواقع المعيشي.
تكمن الشجاعة في هذه المرحلة بالقدرة على مراجعة الذات قبل أن يفرض الواقع مراجعة أكثر كلفة على مجتمع أنهكته الحرب والأعباء والأحلام بمستقبل أفضل. ففي الحالة الصحية، تكون الاختلافات الفكرية مفيدة، خصوصاً إذا كان من يحملوها على صفحة واحدة، ومرجعيتهم جميعاً هي الدولة وما هو أفضل لها. لكن في حالتنا، يبدو الواقع وكأننا أمام تباينات في ظل غياب آلية مؤسسية لحلها وتفكيكها. فبظل اعتماد الولاء وغياب المعايير الواضحة للاختيار، يكمن الخوف في أن تُحسم الخلافات بمعايير القرب من مركز صنع القرار على المستوى الأعلى والبعد عنه، وليس بمعايير الأداء والحوكمة.
إن السلطة التي أنهت تقريباً مرحلة التمكين مطالبة اليوم بالانتقال إلى مرحلة مختلفة جذرياً، وهي مرحلة "الإصلاح المبكر" التي تتطلب فتح المؤسسات على المجتمع، ووضع معايير معلنة وشفافة للتعيين والتقييم، والفصل بين الولاء السياسي والكفاءة الإدارية، وتفكيك الشبكة لصالح المأسسة والمؤسسات العامة، والانتقال من العلاقة الشخصية إلى معايير مكتوبة ومرجعية وشفافية، وغيرها من محددات سياسية وإدارية بديهية كانت غائبة.
فالاستمرار بمنطق التمكين بعد انتهاء ضرورته لن يؤدي إلى تعزيز الاستقرار، بل إلى خلق حالة من الهشاشة الداخلية سببها مراكز النفوذ التي تتشكل بغياب المعايير، والتي تتحول مع الوقت إلى عوائق أمام إصلاح البنية لاحقاً. وبشكل أو بآخر، تصبح الدولة رهينة توازنات داخلية لا علاقة لها بمصلحة المواطن الذي يغيب عن المشاركة في صناعة السلطة، أيضاً في ظل عدم وجود انتخابات على أي مستوى ولا مشاورات على مستوى التعيينات. وقد عززت وزارة الإدارة المحلية سلطة المحافظين الفردية في هذا السياق.
هذا الواقع يجعل هذه المرحلة مفصلية لناحية تحديد مستقبل الدولة؛ فهي إما أن تكون نقطة الشعور بالأمان والانتقال لمرحلة بناء الدولة والإصلاح في بنية منظومة الحكم والحوكمة، أو أن تكون مرحلة صراع داخلي صامت ضمن المنظومة الواحدة لا يهددها بحد ذاتها، بل يهدد لقمة عيش المواطن ومستقبله وبناء دولته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة