الآشوريون في الخابور: ضحايا استراتيجية السيطرة المتكررة من العثمانيين إلى قسد


هذا الخبر بعنوان "من فرق الحميدية إلى قسد: من جبال طوروس إلى وادي الخابور، الجغرافيا نفسها والضحية نفسها" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن دخول تنظيم داعش قرى الخابور الآشورية في شباط 2015 حدثاً مفاجئاً أو نتيجة لقوة عسكرية بحتة، بل جاء تتويجاً لسلسلة خطوات مدروسة جردت الأهالي من أي قدرة على الدفاع عن أنفسهم، ووضعتهم في مواجهة مصيرهم عزلاً ومنسيين. في صباح ذلك اليوم، جُمع المدنيون الآشوريون من قرى الخابور، مثل تل تمر وتل نصري وتل شاميرام وتل هرمز، في ساحة بلدة تل تمر. لم يُعاملوا كمقاتلين، بل كأهالٍ خائفين أُمروا بالامتثال وأُجبروا على تسليم أي سلاح فردي بحوزتهم.
هذا السلاح، الذي اقتنته مجموعة محدودة من الشبان لحماية القرى وتأمين انسحاب النساء والأطفال عند الضرورة، لم يكن جزءاً من تشكيل عسكري أو مشروع تمرد، وفقاً لشهادات إلياس ناصر الموثقة في تحقيق المراسل داوود ناصر عام 2015. لم يكن وجود هذا السلاح مقبولاً، إذ لم يكن مرغوباً بأي قوة محلية مستقلة. قيل للأهالي إن الخطر قادم وإن وحدات الحماية ستتولى الدفاع عنهم، وطُلب منهم الانتظار بلا سلاح أو حركة. في المقابل، انسحبت القوات التي وعدت بالحماية تدريجياً وابتعدت دون اشتباك أو تمركز دفاعي، تاركة الساحة مكشوفة، ولم تطلق رصاصة واحدة باتجاه التنظيم، لا في تل تمر ولا على مداخل القرى، رغم أن وحدات الحماية الكردية كانت مدججة بالسلاح وموجودة في المنطقة. في الوقت نفسه، كانت قوات الجيش السوري المتمركزة في جبل عبد العزيز (مرجعية الجيش السوري – أرشيف وزارة الدفاع، 2015) تراقب دون أن تتحرك.
بعد ساعات قليلة، دخل داعش القرى ليجد الأهالي مجتمعين بلا سلاح أو حماية أو مقاومة تذكر، فسِيقوا كقطيع غنم، فيما اكتفى الجميع بالمشاهدة. جنوب الرد، حيث القرى العربية المجاورة، شهد لاحقاً عمليات قتل وتهجير وتجريف بيوت وحرق، بينما بقيت القوات المتمركزة في جبل عبد العزيز على حالها، تراقب المشهد من الأعلى، ما يؤكد وجود تنسيق مسبق بين الأطراف.
لا يمكن فهم هذه السيطرة دون العودة إلى الجذور التاريخية، إلى جبال طوروس وهكاري وطور عبدين، حيث كان الرعيل الكردي المتنقل يعيش على الترحال والرعي، بينما كانت المجتمعات المسيحية الآشورية والأرمنية مستقرة في قرى وأديرة قديمة (وثائق قنصلية فرنسية وأرمنية، 1894–1915). هذا التناقض بين الاستقرار الزراعي والتنقل المسلح استغلته الدولة العثمانية عبر فرق الحميدية التي تأسست عام 1891 بأمر من السلطان عبد الحميد الثاني. كانت هذه الفرق قوة شبه نظامية من عشائر كردية مسلحة تعمل باسم الدولة، مهمتها الرسمية حماية الحدود وقمع التمرد، لكنها عملياً استُخدمت في استهداف الأرمن والآشوريين، ونفذت المجازر الحميدية بين 1894 و1896، وقتلت عشرات الآلاف، وصادرت الأراضي، ودمرت القرى (تقرير القنصل الألماني في وان، 1896). خلقت هذه الأحداث ثقافة الإفلات من العقاب التي امتدت لاحقاً لتكون نواة للعنف المحلي والارتزاق السياسي، وصولاً إلى إبادة 1915، ومن ثم تحول جزء من هذه البنية إلى تنظيم PKK في السبعينيات، حاملاً الإرث الجغرافي والنمطي نفسه في جبال قنديل وطوروس وهكاري، بينما المجتمعات المسيحية لا تزال ضحية متكررة لتلك القوة المسلحة، وإن تغير الاسم والخطاب.
بعد أسابيع من اجتياح داعش، اغتيل داود جندو، قائد قوات الدفاع في القرى الآشورية (شهادة إلياس ناصر، 2015)، لأنه رفض إخضاع قوة محلية مستقلة لأي أجندة حزبية. نجا رفيقه ليكشف في شهادته عن الجهة الحقيقية التي استدرجتهم وأطلقت النار عليهم، ما أزال أي غموض عن المتورطين، وأثبت أن الاغتيال لم يكن عشوائياً، بل جريمة مخطط لها لإزالة أي مقاومة للسيطرة. لم يكن اغتيال جندو مجرد قتل رجل، بل قطع رأس بنية دفاعية ناشئة وإيصال رسالة لكل من يفكر بالاستقلالية: لا مكان لأي قوة آشورية مستقلة خارج الإطار المسموح به.
بعد ذلك، تحولت القرى إلى نقاط تماس، واستُخدم سكانها كورقة سياسية، واستمر ضغط متراكم جعل أي محاولة للمساءلة مخاطرة حقيقية. ومع مرور الوقت، توسع نمط السيطرة ليشمل 35 قرية آشورية على طول نهر الخابور بين 2016 و2024 (تقرير إيكاد المصور، 2025)، حيث تحولت القرى عملياً إلى جيوب محاصرة، لا قرار للسكان في أي شأن داخلي، ولا حركة مسلحة مسموحة، بينما استُخدم وجودهم كورقة سياسية جاهزة؛ فعند التفاوض يُستحضرون كأقليات بحاجة للحماية، وعند التصعيد يُتركون في مرمى النيران.
أُغلقت المدارس المسيحية بالقوة وطُردت إداراتها وطلابها، وتحولت الكنائس إلى مقار عسكرية ونقاط لوجستية، وأصبح التهديد النفسي والجسدي جزءاً من الواقع اليومي. في المقابل، يزعم الخطاب الإعلامي حماية الأقليات، في حين أن الحقيقة على الأرض تقول إن السكان يُستخدمون دروعاً بشرية ويُجبرون على حمل السلاح ويُستباح دينهم وتعليمهم وممتلكاتهم. في عامي 2025–2026، جاء تقرير إيكاد المصور ليؤكد هذا الواقع بوضوح: 35 قرية آشورية تحولت إلى سجن مفتوح، السكان يُجبرون على حمل السلاح ضمن تعبئة ضد الحكومة السورية، وأي رفض يعرضهم للضغط والتضييق، وادعاءات الانسحاب إلى مناطق ذات غالبية كردية لا تعكس الواقع الميداني.
المناشدات العلنية التي نقلتها صحيفة The Assyrian أكدت أن الأهالي المسيحيين يُفرض عليهم الانخراط ضمن التشكيلات المسلحة بالقوة، وأن أي خيار آخر مستحيل، وأن حياتهم اليومية أصبحت رهينة هذا الوضع. في المقابل، شدد شخصيات قيادية من المنظمة السريانية الديمقراطية، وعلى رأسهم غابرييل موشيه، على أن المسيحيين والسريان الآشوريين يؤيدون سيادة الدولة السورية ويرفضون استغلال مناطقهم لأهداف حزبية أو عسكرية، مؤكدين حق الأهالي في الأمن والبقاء ضمن قراهم بسلام.
من منظور تاريخي، فإن هذه السيطرة ليست جديدة أو طارئة، بل هي امتداد لمسار طويل بدأ منذ العثمانيين، حيث استُخدمت العشائر المسلحة في طوروس وهكاري ضد المجتمعات المسيحية المستقرة. انتقلت أساليب النهب والضغط والإرهاب المحلي إلى مجازر 1915 ثم تهجير الآشوريين إلى الجزيرة السورية وإلى وادي الخابور، حيث أُنشئت القرى رسمياً ضمن إطار سيادة سورية، ومُنحت ملكيات رسمية. واجهت المجتمعات المتسلطة قوة مسلحة خارج إطار الدولة، فيما الاستقلالية المحلية والسيادة الفعلية لم تكن مسموحة على الدوام، حتى وصلت إلى أحداث 2015–2026، حيث تحولت شعارات الحماية إلى واجهة، وأصبح الضغط النفسي والجسدي والاقتصادي وسيلة لتفريغ السكان من إرادتهم. يؤكد هذا أن الأرض، التي كانت سورية منذ البداية، لم تتغير، ولكن من يسيطر عليها ويتخذ القرار باسمها تغير عبر القرون؛ من فرق الحميدية العثمانية (وثائق قنصلية فرنسية وألمانية، 1891–1896) إلى تنظيم PKK وصولاً إلى قسد اليوم، تاركاً الآشوريين المسيحيين ضحايا مستمرين على هذه الأرض منذ قرن وأكثر، محاصرين بين إرث العنف التاريخي والواقع الحالي لأدوات السيطرة الأجنبية على سيادتهم وحقهم في البقاء ضمن قراهم. ريم الناصر - زمان الوصل
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة