من 'الزند' إلى 'مولانا': الدراما العربية بين إعادة هندسة الوعي وتآكل المنظومة الأخلاقية


هذا الخبر بعنوان "(مولانا) و البقية تأتي…." نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم أعد أخاف من النهاية التي أمامي، بل أخاف من النهاية التي صارت خلفي، هكذا يستهل باسل علي الخطيب مقاله، مستذكراً عبارات مثل (ابن المفقوعة)، (ابن المفرشخة)، (ابن المبطوحة)، (ابن المسطحة) التي راجت على ألسنة الأطفال وطلاب المدارس بعد عرض مسلسل (الزند). هذه العبارات، التي سرعان ما تحولت إلى (ترند)، يصفها الكاتب بـ(عجل السامري إياه)، في إشارة إلى الموبايل الذي صار بين أيدينا.
يرى الكاتب أن ما يحدث ليس مجرد مرور لمسلسل عابر، بل هو (إعادة هندسة للوعي). فالقصة لم تبدأ بمسلسل (الزند)، بل تعود جذور العبث بالمنظومة الأخلاقية إلى برامج سابقة مثل (ستار أكاديمي) و (الاتجاه المعاكس)، التي فتحت الباب لانحدار متواصل.
ثم يتناول الكاتب مسلسل (الهيبة)، معتبراً إياه (روبن هود) بالنسخة المحلية، الذي يعيد تدوير صورة القبضاي وتاجر المخدرات والسلاح وقاطع الطريق والشبيح، معززاً إياها بذخيرة لغوية من صنف (+18) التي تطورت لتصبح (+38). ويشير إلى أن هذا هو التطور الوحيد الذي شهده مجتمعنا. ويُضاف إلى هذه الشخصيات المصطنعة لمسة من الشرف والرجولة المزيفة، ليكتمل نموذج (روبن هود) المحلي الذي يرتكب الموبقات ثم يغسل أمواله وآثامه بدموع ودعوات الفقراء، محاطاً بالجميلات المتراقصات حوله. هذا النموذج، الذي يجسده ممثل وسيم وبارع، جعل شخصية (جبل) قدوة لجيل كامل ونموذجاً يحتذى به حتى في الشكل.
ويحذر الكاتب من أن تحول الخارج عن القانون إلى قدوة يجعل القانون نفسه مدعاة للسخرية والاستهزاء، وتصبح الأخلاق من أساطير الأولين. ويستشهد بمسلسل (أولاد بديعة) الذي جعل عبارات مثل (ابن الأحبة) و (أخو الأحبة) شائعة على ألسنة الأغلبية، والمصدر هو ذات الدراما.
يتساءل الكاتب عن اللحظة التي انكسر فيها الحاجز بين (الفجور) و (الواقعية)، لينتقل بعد ذلك إلى مسلسل (مولانا). هذه الشخصية، التي يفترض أن تمثل الوقار والحياء والحكمة، تمرر على لسانها كلمات بذيئة، ويراهن الكاتب على أنها ستصبح (ترنداً) آخر، و(عجل سامري) جديد. ويؤكد أن شخصية (مولانا) يجب أن تكون مرجعية أخلاقية، ولكن تحويلها إلى (راكار) ليس فناً، بل هو تحطيم للمنظومة الأخلاقية وتطبيع مع الانحدار اللغوي. ويخشى أن يكون لسان حال الأغلبية: (إن كان مولانا يتلفظ تلك الكلمات ويتصرف تلك التصرفات، فلا حرج علينا إذاً).
القضية، بحسب الكاتب، ليست في مسلسل بعينه أو مشهد محدد، بل هي (إعادة هندسة للوعي) تجعل من الشبيح مقبولاً ما دام يحب أهله، والمنافق والمحتال مقبولاً ما دام يساعد رفاقه. فتصبح البلطجة بطولة، والتنمر شجاعة، والتباهي باحتقار القانون كرامة، والضجيج والصراخ هيبة، والبذاءة واقعية. هذا ليس فناً، بل هو انحدار معلب، وكي للوعي بطريقة بطيئة وحثيثة، تسري في جسد المجتمع دون أن ننتبه إليها، لتنتهي إلى ثقافة غريبة عنا، لكنها ستفرض نفسها بقوة، وتؤدي إلى منظومة ثقافية وأخلاقية جديدة وحالة انفصام خطيرة ومدمرة.
ويؤكد الكاتب أنه لم يستهن يوماً بالقوة الناعمة لبعض الدراما، فهي ليست متعة وتشويق فحسب، بل هي غلاف لـ(تدمير ممنهج لمنظومة قيمية بالكامل). ويستذكر أغنية (لفلي حشيش) كـ(مولود شرعي) لتلك الثقافة، مؤكداً أن الرائحة التي فاحت ليست رائحة البارود، بل هي أهون الروائح في ظل هذا القيء الذي يحيط بنا.
ويختتم الكاتب مقاله بتشبيه هذه الدراما بـ(البنطلون السالت) أو (المشقق) الذي يكرهه، ليس لكونه سالتاً، بل لأنه (سلت وسلت معه كل شيء)، فلم يعد هناك أي خط أحمر. ويشير إلى أن هذا الخط الأحمر قد سقط، كما سقط قبله الكثير من الخطوط الحمراء الأخرى، بدءاً من غرناطة وصولاً إلى لقمة الخبز. ويتساءل: ماذا يبقى بعد أن تسقط كل الخطوط الحمراء؟ ليجيب: (الخطان الأزرقان على ذاك العلم من المي إلى المي)، التي كان اسمها سابقاً (من المحيط إلى الخليج).
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة