«مطبخ المدينة»: رحلة درامية من دفء العائلة إلى قسوة الواقع وصراعات دمشق الخفية


هذا الخبر بعنوان "من دفء المطبخ إلى عتمة الشارع.. قراءة في عوالم “مطبخ المدينة”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُقدم مسلسل «مطبخ المدينة» ضمن الإنتاجات السورية للموسم الرمضاني الحالي، عملًا دراميًا يمزج ببراعة بين دفء الأجواء العائلية وقسوة الواقع المعيش. تدور أحداث المسلسل في أحياء دمشق، متجاوزًا مجرد سرد قصة عائلة تدير مطعمًا بسيطًا، ليُحوّل هذا المكان إلى ساحة مفتوحة تتكشف فيها صراعات المال والسلطة والولاء، وتُطرح أسئلة عميقة حول الفقد والعدالة.
العمل من تأليف علي وجيه وسيف رضا حامد، وإخراج رشا شربتجي، ويضم نخبة من نجوم الدراما السورية، منهم عباس النوري، مكسيم خليل، أمل عرفة، عبد المنعم عمايري، ميسون أبو أسعد، ملهم بشر، فادي صبيح، ومحمد حداقي، مما أضفى على المسلسل ثقلًا تمثيليًا انعكس إيجابًا على قوة الأداء وتماسك الشخصيات.
تنطلق أحداث المسلسل من مطبخ صغير يديره الشيف طلحت (عباس النوري)، وهو طاهٍ دمشقي كرس حياته لأسرته ومطعمه الذي يمثل مصدر رزقهم وملاذهم الآمن. يعيش الشيف طلحت مع أبنائه الأربعة في استقرار هش، سرعان ما يتبدد مع اختفاء ابنته في ظروف غامضة، ليتحول روتين حياتهم اليومي إلى رحلة بحث شاقة عن الحقيقة. يتفرع السرد إلى خطين متوازيين؛ أحدهما يستعرض ماضي الشخصيات ويكشف عن قرارات وأخطاء قديمة، والآخر يتابع حاضرهم المثقل بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ومع تصاعد الأحداث، يواجه كل فرد من أفراد العائلة اختبارًا أخلاقيًا صعبًا، حيث تتصادم القيم مع ضرورات البقاء.
يتجاوز المسلسل حدود الدراما العائلية التقليدية، ليغوص في أبعاد إنسانية عميقة لعالم المتسولين، مبتعدًا عن الصور النمطية السطحية. يُسلط الضوء على هذا العالم من خلال الملاهي التي يديرها «دياب» (فادي صبيح) وزوجته نورا (أمل عرفة)، والتي تُسجل كمكان إقامة لمجموعة من الأطفال والشبان الذين يُجبرون على التسول ضمن تنظيم محكم وآلية تشغيل ممنهجة. يقدم هذا الخط الاجتماعي صورة مكثفة للجانب المظلم من حياة المدينة، كاشفًا عن واقع قاسٍ يختبئ خلف تفاصيل الحياة اليومية.
تتزايد حدة التوتر مع اشتداد الأزمة المالية ودخول بعض الشخصيات في صفقات مشبوهة، بعد أن ركزت الحلقات الأولى على تقديم الشخصيات وخلفياتها. يتعمق الصراع بين أفراد العائلة، خاصة بين الأخوين شجاع (مكسيم خليل) وعبد الكبير (عبد المنعم عمايري)، ويتخذ منحى خطيرًا مع انجراف البعض نحو خيارات متطرفة بدافع الحاجة للمال. يطرح العمل سؤالًا جوهريًا: هل يبرر الفقر الانحراف، أم أن السقوط يبدأ من أول تنازل؟ تتسع دائرة الأحداث لتشمل قضايا سرقات، ملفات أدوية مشبوهة، ابتزاز، وصفقات قانونية ملتبسة، مما يضع الشخصيات في مواجهة مباشرة مع القانون ويهدد بتفكك روابطهم. تبلغ الدراما ذروتها باكتشافات صادمة تقلب التحالفات وتكشف أسرارًا ظلت مدفونة لسنوات.
لا يقتصر «مطبخ المدينة» على كونه حكاية بوليسية، بل يرسم لوحة اجتماعية لمدينة تعج بالتحديات. هنا، المطبخ ليس مجرد مكان لإعداد الطعام، بل هو رمز للبيت الذي يسعى للحفاظ على تماسكه في وجه العواصف. الشخصيات ليست مثالية أو شريرة بشكل مطلق، بل هي بشر يتخبطون بين الرغبة في النجاة والخوف من الخسارة. يلامس العمل بذلك هموم المشاهدين عبر قصة تبدو بسيطة ظاهريًا، لكنها تخفي شبكة معقدة من العلاقات والصراعات. بين نار الطموح وضغط الحاجة، تتكشف حقيقة المدينة، ويبقى السؤال الأهم: من سينجو عندما تختلط الروائح في مطبخ الحياة؟
يتبنى المسلسل نهج البطولة الجماعية، متجنبًا فكرة البطل الواحد التقليدي، ليقدم شبكة متكاملة من الشخصيات التي تتشارك في الدفع بالحبكة الروائية. يعزز هذا الأسلوب إحساس المشاهد بالواقعية، حيث تتشابك مصائر الشخصيات وتتعرض لمواقف متنوعة، مما يجعل متابعة الأحداث أقرب إلى رصد الحياة اليومية. وقد لاقى هذا التوجه إشادة النقاد، الذين اعتبروه عودة إلى جذور الدراما الاجتماعية السورية الأصيلة، رغم أن بعض المتابعين رأوا أن وتيرة الأحداث كانت أبطأ مما اعتادوا عليه.
حظي المسلسل بإعجاب جماهيري واسع، نظرًا لواقعيته التي لامست تفاصيل الحياة اليومية والظروف الاقتصادية الضاغطة التي يمر بها الناس. كما أعاد إلى الشاشة روح المسلسلات السورية القائمة على «لَمّة العائلة» وحميمية البيت، وهي سمة افتقدتها الدراما في السنوات الأخيرة مع هيمنة الصراعات الحادة والخطوط البوليسية المعقدة. ورغم التوترات التي تشهدها أحداث العائلة، ظل الإطار الأسري نقطة ارتكاز عاطفية وإنسانية، مما أضفى على العمل دفئًا خاصًا وقربًا من وجدان المشاهد.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
ثقافة