ثقافة

مدفع رمضان في سوريا: تاريخ من الفرح الطقسي ورمزية اجتماعية متجذرة رغم التحولات

sana.sy٢٥ شباط ٢٠٢٦ في ١١:٠٧ ص19 مشاهدة
مدفع رمضان في سوريا: تاريخ من الفرح الطقسي ورمزية اجتماعية متجذرة رغم التحولات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مدفع رمضان..من صوت الفرح في الذاكرة السورية إلى رمزٍ اجتماعي طقسي" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لطالما شكّل مدفع رمضان، رغم صوته المدوي، أحد أبرز مصادر البهجة في الذاكرة السورية على مر العقود. ارتبط دوي المدفع لحظة الإفطار بمعانٍ روحية واجتماعية عميقة، مجسداً حضوراً ثابتاً في الطقوس الرمضانية. إلا أن دلالات المدافع وأصواتها تبدلت مع اندلاع الثورة السورية، حيث استخدمها النظام لقصف القرى والمدن والبلدات، مما ألقى بظلاله على رمزيته التقليدية.

جذور تاريخية بين القاهرة ودمشق

تعود فكرة إطلاق المدفع في رمضان، وفقاً للباحث في التراث الشعبي محيي الدين قرنفلة، إلى مدينة القاهرة، التي تُعد أولى المدن الإسلامية التي عرفت هذه العادة. يستند هذا الرأي إلى ما ذكره المؤرخ المصري ابن تغري بردي عن حادثة وقعت في عهد السلطان المملوكي الظاهر خشقدم المؤيدي في القرن الخامس عشر (توفي سنة 872هـ/1467م)، حين أُطلق مدفع جديد من قلعة الجبل وقت الغروب على سبيل التجربة، فظن الناس أنه إعلان رسمي لموعد الإفطار، فاستحسنوا الفكرة واستمر العمل بها.

وفي دمشق، ذكر المؤرخ الشعبي البديري الحلاق في كتابه "حوادث دمشق اليومية" سنة 1155هـ، ضرب مدافع الإثبات في منتصف الليل عند ثبوت هلال رمضان، وما رافق ذلك من حركة نشطة في الأسواق وفتح الدكاكين ليلاً. ويشير المؤرخ الدكتور عمار محمد النهار في أحد مقالاته إلى أن مدفع رمضان ارتبط في دمشق بالعهد العثماني، واستخدم كوسيلة دقيقة لإعلام الناس بدخول وقتي الإفطار والإمساك، خاصة في مدينة واسعة متعددة الأحياء والأسواق. وكان يُطلق غالباً من أماكن مرتفعة تضمن انتشار الصوت، كمحيط قلعة دمشق أو سفوح جبل قاسيون.

من أداة عسكرية إلى رمز اجتماعي

تكشف دراسة مدفع رمضان، بحسب الدكتور النهار، عن كيفية توظيف التقنية العسكرية في سياق مدني احتفالي، وتحويل أداة حربية إلى وسيلة ذات بعد اجتماعي وروحي. فهو ليس مجرد تقليد شعبي، بل عنصر من عناصر التاريخ الاجتماعي للمدينة الإسلامية، وشاهد على تطور وسائل الإعلام التقليدية قبل العصر الحديث.

تقليد مشترك في المحافظات السورية

في استطلاع أجرته وكالة سانا حول ارتباط المدفع بالموروث الثقافي والذاكرة المجتمعية في المحافظات السورية، أجمعت الآراء على مكانته بوصفه جزءاً أصيلاً من المشهد الرمضاني.

  • في دمشق: كان المدفع يُطلق من القلعة أو من التلال المرتفعة، ويتردد صداه في أنحاء المدينة بالتزامن مع أذان المغرب. يستعيد مؤسس البيت الدمشقي للتراث هيثم طباخة مشاهد طفولته في حي الشاغور، حيث كان الأطفال يتجمعون في الساحات انتظاراً للصوت المعلن انتهاء الصيام، فتعم الفرحة الوجوه وترتفع الأكف بالدعاء. كما كان إطلاقه إيذاناً بثبوت دخول الشهر والعيد.
  • في حماة: يوضح موفق عبادة أن المدفع كان يُنصب في قلعة المدينة المشرفة على أحيائها كافة، نظراً لضعف وسائل الإعلام آنذاك وانخفاض صدى مكبرات الصوت، فكان الاعتماد عليه أساسياً، ولا سيما في المناطق البعيدة.
  • في حمص: كان المدفع المعروف باسم «الغضبان» يُنصب في ساحة «سهلة المدفع» قرب البلدة القديمة والروضة. يذكر صبحي سليم أن الموظف المسؤول كان يترقب رفع الراية الحمراء فوق مئذنة الجامع الكبير إعلاناً لدخول وقت الإفطار، فيشعل الفتيل مطلقاً سحابة من الدخان وصوتاً مدوياً.
  • في اللاذقية: كان «الطوب» كما يسميه الأهالي، يُنصب في حي القلعة الأثري أمام جامع المغربي، ويُسمع دويه في معظم أحياء المدينة، في زمن لم تكن فيه الكهرباء أو وسائل الإعلام متاحة.
  • في درعا: يستذكر جميل قداح أن مدفع رمضان كان يُطلق عدة مرات متتالية من «طلعة البلد» لإثبات دخول الشهر، ليكون أولى إشارات بدء الصيام في المحافظة.
  • في إدلب: كان يُطلق من تل الرمادة وسط المدينة، حيث يتجمع الأهالي في الحواري والأزقة قبيل المغرب، بانتظار الطلقة التي تعلن نهاية يوم الصيام، وفق رواية الحداد عبيدة علون.
  • في حلب: كان المدفع المتمركز فوق القلعة يُطلق 23 طلقة عند ثبوت رؤية هلال رمضان، ومثلها عند رؤية هلال شوال، بينما تُطلق طلقة واحدة عند المغرب وأخرى في السحور، قبل أن يقتصر دوره لاحقاً على الإفطار مع استمرار تقليد المسحراتي.
  • في القامشلي: كانت ضربات «مدفع السلام» من حي الهلالية تتزامن مع ضحكات الأطفال وصيحاتهم فرحاً بدخول الشهر وانتهاء الصيام، كما تروي دلال سليمان، مشيرةً إلى أن هذه التقاليد تراجعت بعد انطلاق الثورة السورية، مع تطلع الأهالي لعودة الأيام التي ارتبط فيها المدفع بمعاني الفرح والسكينة.

مع تطور وسائل الاتصال، تراجع الدور الوظيفي للمدفع كوسيلة إعلام، إلا أن حضوره الرمزي بقي قائماً في الوجدان الشعبي، بوصفه أحد معالم الطقوس الرمضانية التقليدية في دمشق وغيرها من المدن السورية، وركناً من أركان الذاكرة التي تختزن تفاصيل الحياة الاجتماعية في الشهر الفضيل.

شارك الخبر: