الترجمة الأدبية: جسر حضاري يواجه تحديات السوق ومعايير الجوائز


هذا الخبر بعنوان "الترجمة الأدبية.. بين القيمة الثقافية ومتطلبات السوق" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في دمشق، يمثل عالم الترجمة الأدبية فضاءً حيوياً تتشابك فيه الإبداعية مع الرؤية الثقافية، وتتداخل حسابات السوق مع القيمة الفنية الأصيلة. لكن، وسط زخم الجوائز العالمية وخطط دور النشر، يبرز التساؤل الأهم حول معايير اختيار الأعمال الأجنبية التي ستعبر إلى القارئ العربي.
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة والمترجمة آلاء أبو زرار، في حديث خاص لـ«سانا الثقافية»، أن قرار ترجمة أي عمل أدبي ليس عشوائياً، بل يخضع بشكل أساسي للخطة التسويقية المعتمدة لدى كل دار نشر. هذه الخطة تتحدد بناءً على طبيعة جمهور الدار والبلد الذي تعمل فيه. وأشارت أبو زرار إلى أن بعض دور النشر تركز على القيمة الأدبية الرفيعة، فتختار روايات تستهدف القارئ المتذوق الباحث عن نصوص عميقة ورصينة. في المقابل، تفضل دور أخرى العناوين الرائجة ذات الطابع التجاري، معتمدةً على ما يحقق انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، حتى لو كان هذا الوهج مؤقتاً ولا يصمد أمام اختبار الزمن.
وفقاً لأبو زرار، تشكل الجوائز العالمية وشهرة المؤلف عاملين مؤثرين في قرار اختيار الأعمال للترجمة. فبعض دور النشر تميل إلى ترجمة الأعمال المتوجة بجوائز مرموقة أو المكتوبة بأقلام معروفة عربياً وعالمياً، ضمن خطط سنوية توازن بين الأنواع الأدبية المختلفة. كما تؤدي اللغة الأجنبية دوراً محورياً في عملية الانتقاء، حيث تتصدر اللغة الإنكليزية القائمة، إلى جانب الفرنسية والإسبانية واليابانية، وذلك تبعاً لاهتمامات الجمهور المتلقي.
وبينت أبو زرار أن نجاح الترجمة الأدبية لا يعتمد فقط على الإلمام اللغوي، بل يتطلب حساً أدبياً عميقاً يمكّن المترجم من نقل العمل من «روحه الأجنبية» إلى «روحه العربية»، ليظهر النص المترجم كعمل أصيل. فالمهمة، كما ذكرت، لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تتعداها إلى نقل مناخ حضاري كامل، عبر انتقاء تعابير رشيقة تحافظ على المعنى وتمنح النص العربي جماله الخاص.
رأت أبو زرار أن الجوائز ليست معياراً مطلقاً للجودة، فثمة نصوص قوية لم تنل حظها من التكريم. ومع ذلك، يظل نقل الأعمال المتوجة ضرورة لإبقاء القارئ العربي ضمن السياق الأدبي العالمي. واعتبرت أن قراءة الأدب المترجم منحت القارئ انفتاحاً أكبر على الآخر، وعززت مرونته في تقبل الأفكار المختلفة، لتغدو الترجمة «سفير سلام» يقرب المسافات، ويبدد الغموض، ويثري المكتبة العربية بقصص وأفكار تحفز الكتاب العرب على مزيد من الإبداع والمنافسة.
كما اعتبرت أبو زرار أن فوز عمل مترجم للعربية بجائزة دولية يشكل إنجازاً يُحسب للأدب العربي أيضاً، لأن المترجم شريك في إعادة خلق النص ومنحه حياة جديدة بلغة أخرى. فعملية الترجمة، بحسب وصفها، فن قائم بذاته لا مجرد نقل آلي للكلمات، بل إعادة صياغة بروح موازية للنص الأصلي. وأكدت أن الجوائز العالمية أدت دوراً مهماً في تحفيز المترجمين، ليس فقط عبر المكافآت المادية، بل من خلال الترويج للأعمال الفائزة والشراكات مع المعارض الدولية، ما منح المترجم مساحة أوسع من الحضور والانتشار، رغم أن بعضهم فضل البقاء بعيداً عن الأضواء.
وعن تجربتها الشخصية، استعرضت أبو زرار ترجمتها لرواية بوليسية رومانسية لكاتب فرنسي محبوب لدى الشباب، أنجزتها بزمن قياسي وبشغف كبير. غير أن تأخر صدورها لأشهر طويلة أفسح المجال أمام مترجم آخر لنشر العمل ذاته مع دار أكثر مهنية، لتبقى ترجمتها حبيسة الأدراج رغم سبقها.
واختتمت أبو زرار حديثها بالتأكيد على أن الترجمة تشكل جسراً حضارياً لا يلغي الخصوصية، بل يعززها، داعيةً إلى توفير الإمكانات اللازمة لدعم المترجمين، وتمكينهم لإخراج المزيد من الأفكار إلى النور، بما يرسخ حضور الثقافة العربية في حوارها المفتوح مع العالم.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة