سوريا تؤكد التزامها الأصيل بحقوق الإنسان وتكشف عن تحولات جذرية في مقاربتها الدولية والوطنية


هذا الخبر بعنوان "سوريا تؤكد أن التزامها بقضايا حقوق الانسان يعد التزاماً وطنياً أصيلاً" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أكدت سوريا أن التزامها بقضايا حقوق الإنسان يُعد التزاماً وطنياً أصيلاً وتاريخياً، ينبع من الضمير الجمعي والتجربة المريرة التي مرت بها البلاد على مدى السنوات الستين الماضية. وشددت على أن تفاعلها مع مجلس حقوق الإنسان يهدف إلى دعم مسار البناء المؤسسي الوطني وحماية الحقوق بصورة مستدامة، بعيداً عن أي استقطاب.
وفي بيان له خلال اجتماع لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، أشار رئيس وفد سوريا إلى أن وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني كان قد ألقى خطابه الأول أمام رئاسة المجلس قبل عام، ممثلاً لشعب تخلص لتوه من واحدة من أشد منظومات القمع وحشية في التاريخ المعاصر. وفي ذلك البيان، قطع الشيباني عهداً أمام السوريين والمجلس بأن السياسات الممنهجة التي كرست الانتهاكات لن تعود.
أوضح رئيس الوفد أن سوريا تؤكد أن تفاعلها مع المجلس هو تفاعل مؤسسي قائم على الحوار العملي والتعاون الفني، بما يحترم السيادة الوطنية ويخدم حماية الحقوق على أرض الواقع. وأضاف أن أبرز دليل على هذا التغيير هو اعتماد القرار الخاص بسوريا بالإجماع وبدون تصويت في الدورة الثامنة والخمسين للمجلس في أبريل 2025، وذلك لأول مرة منذ عام 2011. جاء هذا الاعتماد بناءً على انخراط سوريا الفاعل في نقاش مشروع القرار، في رسالة واضحة مفادها أن سوريا قد انتقلت إلى مقاربة قوامها «المأسسة» لا «ردود الأفعال»، و«الإجراءات الوطنية» لا «الاستقطاب».
أشار رئيس الوفد في بيانه إلى أنه مع سقوط نظام الأسد، بدأت سوريا ببناء دولة القانون والمؤسسات، حيث تم اعتماد إجراءات قضائية ومؤسسية لتعزيز سيادة القانون، بما يليق بتضحيات الشعب السوري ويحفظ حقوقه. ولفت إلى فتح الأبواب أمام المتخصصين في مجال حقوق الإنسان كشريك حقيقي وفاعل. وقال: «دخلت لجنة التحقيق الدولية التي أنشأها هذا المجلس سوريا للمرة الأولى منذ تأسيسها، واستقبلنا الآلية الدولية المحايدة والمستقلة في زيارتين تاريخيتين، وازداد حضور مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في دمشق اعتباراً من كانون الأول 2024، بعد غياب استمر أكثر من عقد».
أشار رئيس الوفد إلى ارتقاء سوريا في تعاونها مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من الشكلية إلى التبادل الكامل للمعلومات. كما تم الاحتفال بالشراكة مع المفوضية لأول مرة في سوريا باليوم الدولي لحقوق الإنسان، بحضور واسع من الجهات الحكومية والمجتمع المدني. وشدد على أن هذا الانفتاح يهدف إلى دعم بناء القدرات الوطنية وتعزيز الامتثال عبر مؤسسات الدولة، لا استبدالها أو تجاوزها. وأضاف: «من خلال هذا التعاون البناء، أكدنا على أننا نريد شراكة حقيقية تقوم على الدعم الفني لا على الوصاية».
وقال رئيس الوفد في بيانه: «لقد نص الإعلان الدستوري على حظر التعذيب والإخفاء القسري والمحاكم الاستثنائية، وأكد على استقلال القضاء. كما أصدرت وزارتا الدفاع والداخلية مدونات السلوك المهني والعسكري، مع البدء بتدريبات مكثفة على القانون الدولي الإنساني بالشراكة مع الصليب الأحمر والمفوضية. ونشدد على أن مكافحة الانتهاكات تبدأ من إصلاح القواعد الناظمة للسلوك، وترسيخ المساءلة الوطنية وفق القانون».
وأضاف رئيس الوفد: «بداية هذا العام، في محطة تاريخية فارقة، أصدر السيد الرئيس المرسوم رقم 13 لعام 2026 الذي أقر الحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، مكرساً مبدأ المواطنة المتساوية بعيداً عن أي تمييز قائم على العرق أو الطائفة أو اللغة، مع تأكيدنا وترسيخنا لحرية الدين، في رسالة إلى كل سوري، مفادها بأن التنوع عنصر قوة وثراء وطني لا مساحة للشقاق والاستقطاب كما أراده نظام الأسد». مؤكداً أن مقاربة المواطنة المتساوية هي الإطار الجامع لكل حقوق المكونات، بما يعزز وحدة المجتمع والسلم الأهلي.
فيما يخص حقوق المرأة، أكد رئيس الوفد التزامات سوريا الدولية، بما فيها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والعمل على إدماج قضايا المرأة في برامج التعافي وتمكين النساء اقتصادياً، والالتزام بتعزيز مشاركة المرأة في المراحل القادمة من المسار الانتقالي. وفي حقوق الطفل، تم إطلاق حملة العودة إلى التعلّم بالتعاون مع اليونيسف، وأعيد 15 ألف معلم فُصلوا في عهد النظام البائد.
وقال رئيس الوفد: «نعمل مع الممثلة الخاصة للأمين العام للأطفال والنزاع المسلح على ضمان منع وقوع الانتهاكات الجسيمة الستة بحق الطفل، كما شكلنا لجنة خاصة لمتابعة ملف إعادة تأهيل الأطفال في مخيمات الاحتجاز شمال شرق سوريا ودمجهم في مجتمعاتهم، فهم ضحايا يجب حمايتهم ورعاية مستقبلهم، لا احتجازهم. ونبرز هنا أن هذه البرامج تدار بمنطق «الحماية والرعاية وإعادة الإدماج» وبما يحقق مصلحة الطفل الفضلى».
أكد رئيس الوفد أن كل هذه الإجراءات كانت بالتوازي مع سعي سوريا لتوحيد المؤسسات وبسط سيادة الدولة، حيث تم التوصل إلى تفاهمات سلمية لوقف شامل لإطلاق النار، واستعادة السيطرة على دير الزور والرقة، ودمج المؤسسات العامة في الحسكة ضمن هياكل الدولة. كما تم وضع خارطة طريق للسويداء، باعتبارها نموذجاً لمعالجة التحديات المحلية عبر الحوار واحترام الخصوصيات المجتمعية وتعزيز سيادة القانون.
وأشار رئيس الوفد إلى بروز مؤشرات ملموسة على تحسن الوضع بين بيان اليوم والبيان الذي صدر قبل عام، وهو ما تدل عليه عودة أعداد كبيرة من اللاجئين والنازحين، وانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش، وإحباط عشرات العمليات الإرهابية. موضحاً أن السرعة الكبيرة في كل هذه الإنجازات تأتي من حقيقة أن هذا التغيير أصيل في الشعب السوري، وفي الحكومة التي تعبر عن هذا الشعب وتترجم تطلعاته وآماله إلى واقع ملموس.
وقال رئيس الوفد: «إننا لا نذكر هذه التطورات الفارقة لندعي المثالية، وإنما نقف هنا بكل صدق وشفافية ومسؤولية لنتحدث أيضاً عن الانتكاسات والتحديات، فقد شهدت مناطق الساحل ثم السويداء خلال العام الماضي أحداثاً مؤلمة سقط فيها ضحايا أبرياء، ونحن، مع كل ضمير إنساني حي، لا نبررها ولا نقبلها».
وأكد رئيس الوفد في بيانه أنه كما أكدت نتائج التحقيقات، فإن ما حدث ليس سياسة دولة، وإنما نتاج مباشر لإرث طائفي سام زرعه نظام الأسد عقوداً، بناءً سلطته على التلاعب بالطوائف وتخويف بعضها من بعض، تاركاً وراءه مجتمعاً مشحوناً بالمظالم والمخاوف المتراكمة، في سياق اجتماعي وأمني حساس فاقمته واستغلته أطراف خارجية في تمكين عناصر انفصالية مسلحة وتغذية العنف، بما يتناقض مع جهود استقرار البلاد وتوحيد مؤسساتها.
وأضاف: «إن معالجة مثل هذه الحوادث تكون عبر إنفاذ القانون وحماية المدنيين ومنع الانتقام، دون تعميمات تحمل الدولة نهجاً لا تعتمده. لذلك تعاملنا مع هذه الأحداث بمسؤولية عالية، فشكلنا لجنة تحقيق رسمية مستقلة ضمت قضاة وخبراء قانونيين وممثلين عن المجتمع المحلي، نافست بمهنيتها وكفاءتها اللجان الأممية، وقدمت لائحة اتهام تضمنت أكثر من 560 مشتبهاً بهم إلى القضاء».
وتابع: «أما في السويداء، فقد أسسنا لجنة مشتركة مدنية-أمنية ضمت ممثلي الدولة والمرجعيات الاجتماعية والدينية المحلية، واتخذت إجراءات فورية شملت: وقف العناصر المتورطة عن العمل وإحالة ملفاتهم إلى القضاء، وأصدرت تعليمات مكتوبة معلنة شددت على الالتزام الصارم بقواعد الاشتباك وحماية المدنيين ومنع أي أعمال انتقامية أو جماعية. ونضيف: إن معيارنا في تقييم الأداء هو حماية المدنيين أولاً، واحتواء التوتر، وتمكين القضاء الوطني من أداء دوره».
أوضح أن الأهم من كل ذلك هو الانتقال من رد الفعل إلى التعلم وتطوير المقاربات، ففي عمليات حلب والجزيرة السورية مؤخراً، دخلت القوات الحكومية وفق خطة ميدانية استخلصت العبر من الدروس المستفادة، وراعت بشكل محسوب ودقيق البعد الإنساني، بشكل مقدم على البعد الأمني، وتمثلت بإجراءات أبرزها: ضبط صارم لسلوك القوات ومنع أي تجاوزات فردية، واعتماد التفاوض والوساطة المحلية بدل العمل العسكري، وتأمين ممرات إنسانية وضمان حرية تنقل المدنيين والمساعدات الإنسانية، وإبقاء المؤسسات الخدمية والتعليمية خارج أي عمل عسكري.
ولفت رئيس الوفد إلى النتائج الملموسة لتلك الإجراءات بانخفاض كبير في مستوى العنف والانتهاكات، وتراجع المخاوف لدى السكان، حيث لوحظ تحسن في الاستقرار المحلي وعودة النشاط المدني. وهذا ما يؤكد أن ما جرى في الساحل والسويداء لم يكن سياسة ممنهجة للدولة السورية، وإنما تجاوزات فردية ناتجة عن إرث العنف والاضطهاد المعقد في سوريا وفي سياق أمني بالغ الحساسية، والأهم أنه تم تصحيحها عبر قرارات واضحة ومحاسبة فعلية وتطوير حقيقي في العقيدة الميدانية.
وقال رئيس الوفد: «إن الظرف كما تعلمون ليس مثالياً بأي حال، فنحن نعيد بناء دولتنا من أنقاض خمسة عقود من حكم شمولي أفرغ الدولة من مضمونها، وجعل من الخوف والتلاعب الطائفي والإفلات المؤسسي من العقاب أركان حكمه. نشأت أجيال بأكملها في ظل منظومة كان فيها القانون أداة قمع لا أداة حماية، وحول التنوع إلى وقود للانقسام، والتوترات التي نشهدها اليوم هي ندوبه لا صنعنا».
وبين أن حجم هذا الضرر لا يمكن إصلاحه بمرسوم أو في عام واحد، وإنما يحتاج التفكيك بصبر ومنهجية. واليوم، تعالج سوريا هذا الإرث من جذوره: بالمواطنة المتساوية وسيادة القانون، وبإدماج قضايا المكونات ضمن مسار العدالة، وبإجراءات أمنية وقانونية تمنع العنف القائم على الهوية.
وقال رئيس الوفد: «إلى جانب الإرث الثقيل الذي تركه نظام الأسد، فإن ما يعيق تقدم سوريا في ملفات حقوق الإنسان هو شح الموارد والتدخلات الخارجية، فنحن نبني مؤسسات العدالة والمحاسبة في بلد دمرت بنيته التحتية بنسبة تفوق ثمانين بالمئة، ويعيش تسعون بالمئة من سكانه تحت خط الفقر، وتقدر تكلفة إعادة إعماره بأكثر من مئتين وستة عشر مليار دولار». مشيراً إلى أثر هذه التحديات على قدرة التعافي المؤسسي، مع التأكيد أن بناء المؤسسات الحقوقية يتطلب بيئة استقرار وتمكيناً اقتصادياً.
ولفت رئيس الوفد في بيانه إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة والمدانة لسيادة سوريا واعتداءاتها المتكررة على أراضيها لم تتوقف منذ سقوط النظام، متجاوزة حتى اللحظة أكثر من ألف غارة وتوغل، في خرق صارخ لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وتنعكس سلباً على حقوق المدنيين والاستقرار الإقليمي.
وقال: «إننا لا نعد التزامنا بحقوق الإنسان مجاملة دبلوماسية أو مشاركة بروتوكولية، وإنما التزاماً وطنياً أصيلاً وتاريخياً ينبع من ضميرنا الجمعي وتجربتنا المريرة؛ فنحن الشعب الذي اكتوى بنار الانتهاكات بكل أشكالها ستين عاماً، ونحن الأحرص والأكثر إيماناً بألا تتكرر». مضيفاً: «قبل عام، أبلغكم وزير الخارجية من على هذا المنبر أن تلك الحقبة قد انتهت بلا رجعة، واليوم ننقل رسالته لكم: إن إنهاءها لا يكفينا، وإننا نبني ما يحول دون عودتها، بالمؤسسات والقوانين والمحاسبة والمواطنة المتساوية والشراكة مع المجتمع الدولي والمجتمع المدني».
واختتم رئيس الوفد بيانه بالقول: «نؤكد أن هدفنا من التفاعل مع المجلس هو دعم مسار البناء المؤسسي الوطني وحماية الحقوق بصورة مستدامة، بعيداً عن الاستقطاب، وما نحلم به، هو سوريا القانون والمؤسسات، دولة لا تكتفي بنجاة مواطنيها من الخوف والاستبداد، وإنما تعمل بكل ما تستطيع لتحقيق الرفاه والكرامة والتنمية لهم جميعاً دون تمييز؛ عهداً ومسؤولية وواجباً».
وكان الاجتماع رفيع المستوى في إطار الدورة الحادية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد افتتح الإثنين الماضي في جنيف، بمشاركة واسعة من قادة ومسؤولين دوليين، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.
سياسة
اقتصاد
سياسة
اقتصاد