الحمص الناعم في طرطوس: من طبق تقليدي إلى طقس رمضاني يومي


هذا الخبر بعنوان "الحمص الناعم: تقليد إفطار راسخ في طرطوس" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب أذان المغرب في مدينة طرطوس، تتغير إيقاعات الشوارع وتتجه أنظار الصائمين نحو محال إعداد "الحمص الناعم"، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من هوية المائدة الرمضانية في هذه المدينة الساحلية. فوسط ازدحام الأسواق وعبق الخبز الطازج، يتصدر صحن "الحمص الناعم" المشهد، بوصفه خياراً ثابتاً يحضر يومياً على موائد غالبية العائلات.
تؤكد أمينة صبرة، وهي ربة منزل من المدينة، في حديث لمنصة سوريا 24، أن "أشهر الأطباق على مائدة أهالي طرطوس هو صحن الحمص الناعم، فهو تقليد عرفه الأهالي موروثاً عن الآباء والأجداد". وتضيف أن الإقبال عليه يزداد بشكل ملحوظ مع حلول شهر رمضان، حيث "يتوافد الناس زرافات ووحداناً لشرائه في علب مجهزة مسبقاً من الصانع، بهدف تخفيف الازدحام وتسريع عملية البيع قبيل موعد الإفطار".
لا يقتصر حضور الحمص الناعم على كونه مجرد طبق غذائي، بل يتجاوز ذلك ليصبح طقساً اجتماعياً يومياً. فشراء العلبة الجاهزة قبل دقائق من الأذان يشكل مشهداً متكرراً في أحياء المدينة، ويعكس تمسك الأهالي بعادة ترسخت عبر عقود طويلة. ويشير عدد من السكان إلى أن الاعتماد على الحمص في الإفطار يعود إلى بساطته وسرعة تحضيره وسهولة تقديمه إلى جانب أطباق أخرى، فضلاً عن كلفته المقبولة مقارنة بأصناف الطعام التي تتطلب وقتاً ومكونات أكثر. كما أن طبيعة المدينة الساحلية، التي اعتادت على الأطباق الخفيفة نسبياً في بداية الإفطار، ساهمت في ترسيخ مكانته.
وتوضح أمينة صبرة أن الطبق "يتواجد بشكل شبه يومي على المائدة، لكن في رمضان يتسابق الناس أيضاً إلى شراء المعروكة، وهي خبزة رمضان التقليدية التي لا تكاد تخلو منها البيوت".
من جهتها، تقول زبيدة رمضان، وهي ربة منزل أخرى في حديث لمنصة سوريا 24، إن مائدة الإفطار في طرطوس "متنوعة وتضم الفتوش والسلطات والشوربات، إضافة إلى الحمص المدقوق". وتلفت إلى أن بعض العائلات قلما تلجأ إلى إعداد أطباق تحتاج إلى جهد ووقت طويل، مثل المحاشي، مفضلة الأطباق السريعة والخفيفة. وتوضح أن التنوع في الأطباق لا يلغي حضور الحمص الناعم، بل يعززه، إذ غالباً ما يكون نقطة البداية في الإفطار، قبل الانتقال إلى الشوربة أو السلطة. وتضيف أن المشروبات كذلك متنوعة، "ويكاد الصائم يشتري من كل نوع"، في إشارة إلى الإقبال الملحوظ على العصائر الرمضانية.
بعد وجبة الإفطار، تتجه العائلات إلى الحلويات التقليدية التي تتصدرها القطايف، والتي تحضر سنوياً كأحد أبرز رموز الشهر الفضيل. وتنتشر بسطات بيعها في الأسواق الشعبية، إلى جانب أصناف أخرى من الحلويات المحلية. أما المشروبات، فيتصدرها عرق السوس والتمر هندي، اللذان يحافظان على حضورهما رغم تنوع العصائر الحديثة. ويقبل الصائمون على شرائهما إما من المحال المتخصصة أو من الباعة الجوالين الذين يجوبون الأحياء قبيل المغرب. ويؤكد تجار في المدينة أن حركة البيع ترتفع بشكل ملحوظ خلال الأسبوع الأول من رمضان، قبل أن تستقر نسبياً، مع حفاظ الحمص والقطايف والمشروبات التقليدية على موقعها في قائمة الأكثر طلباً.
ورغم الطابع الاحتفالي الذي يميز الأسواق، لا تغيب التحديات المعيشية عن المشهد. وتشير زبيدة رمضان إلى أن "حسرة الفقير تبقى واضحة"، موضحة أن نقص المواد التموينية وقلة السيولة النقدية يجعلان فرحة الشهر "على مسافة من قلبه". ويعكس هذا الواقع تفاوت القدرة الشرائية بين العائلات، حيث يحرص كثيرون على الحفاظ على الحد الأدنى من الطقوس الرمضانية، حتى وإن اقتصر ذلك على طبق الحمص وبعض الخبز والمشروب التقليدي. وفي الوقت الذي تتنوع فيه الأطباق والمشروبات والحلويات، يبقى صحن الحمص حاضراً بوصفه القاسم المشترك بين موائد الطرطوسيين، ورمزاً لطقس إفطار بسيط، لكنه عميق الدلالة في وجدان المدينة.
سوريا محلي
اقتصاد
سوريا محلي
سوريا محلي