اللغة العربية الأم: صراع الهوية وتحديات الحفاظ على لغة الضاد


هذا الخبر بعنوان "اليوم العالمي للاحتفال باللغة الأم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الأستاذ الدكتور محمود أحمد السيّد، رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، إلى وجود يومين عالميين للاحتفال باللغة. الأول هو اليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من كانون الأول من كل عام، والذي يخص اللغات الست المعتمدة في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، ومن بينها لغتنا العربية الفصيحة. أما الثاني فهو الاحتفال بيوم اللغة الأم في الحادي والعشرين من شباط من كل عام، والموجه إلى الدول الأعضاء في منظمة اليونسكو.
يؤكد الدكتور السيّد أن اللغة العربية، لغة الضاد، هي اللغة الأم الجامعة الشاملة لأبناء الأمة العربية الإسلامية، فهي أمهم الحانية ولسانهم العربي المبين الذي نزل به الروح الأمين على قلب الرسول العربي الكريم (ص) كآية لنبوته وتأييداً لدعوته ودستوراً لأمته. وقد تغنى الشعراء بهذا اللسان العربي الجامع، فها هو الشاعر حليم دموس يقول: "لغة إذا وقعت على أسماعنا.. كانت لنا برداً على الأكباد، ستظل رابطةً تؤلف بيننا.. فهي الرجاء لناطقٍ بالضاد". ويقول الشاعر بدوي الجبل: "للضاد ترجع أنسابٌ مفرّقةٌ.. فالضادُ أحسن أم برّةٍ وأبِ، تفنى العصور، وتبقى الضاد خالدةً.. شجاً بحلق غريب الدار مغتصبِ". كما يبرز محبة الشاعر نزار قباني للغته العربية وتبيانه لأبعادها ووظائفها بقوله: "إني أحبك كي أبقى على صلةٍ.. بالله، بالأرض، بالتاريخ، بالزمنِ، أنت البلاد التي تعطي هويتها.. من لا يحبك يبقى دونما وطنِ". ولا ينسى الكاتب قول أمير الشعراء في قصيدته التي وجهها لأبناء سورية إبان الاحتلال الفرنسي: "بني سورية اطرحوا الأماني.. وألقوا عنكم الأحلام ألقوا، نصحت ونحن مختلفون داراً.. ولكن كلنا في الهم شرق، ويجمعنا إذا اختلفت بلادٌ.. بيانٌ غير مختلف ونطقُ".
يدعو الكاتب إلى التفريق بين مصطلحي "اللغة الأم" و"لغة الأم". فاللغة العربية الفصيحة هي اللغة الأم الجامعة الموحدة بين أبناء الأمة، شأنها شأن الأم التي تحنو على أبنائها. أما "لغة الأم" فقد تكون اللهجة العامية، وهي ليست لغة شاملة وقد يختلف معنى مفرداتها بين المحافظات. ويشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت خطورة اعتماد مصطلح "لغة الأم"، وضغطت على اليونسكو لتعديل قرارها، داعيةً إلى وضع "لغة الأم" مكان "اللغة الأم". كان الهدف من ذلك إحياء اللهجات العامية ودعوة مكونات عدة من أبناء الأمة العربية الإسلامية إلى التخلي عن العربية في تعليم أبنائهم، وأن يعملوا على تعليم أبنائهم بلغة الأم، وقد تكون أمازيغية أو كردية أو شركسية أو أرمنية.
ويوضح المقال أن الأمة العربية لطالما احترمت لغات الآخرين وقدرت أصحابها، وسوريتنا اليوم تسمح للمكون الأرمني الوطني بتعليم أبنائه لغتهم الأم الأرمنية إلى جانب العربية. كما أن المرسوم الحكيم الذي أصدره السيد رئيس الجمهورية أحمد الشرع يهدف إلى السماح لأبناء المكون الكردي الوطني بتعليم أبنائهم باللغة الكردية. وفي الجزائر، عُدت اللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. ويؤكد الكاتب أنه لا ضير في أن تعلم المكونات الوطنية غير العربية أبناءها بلغتهم الأم في مدارس خاصة، فهذا حق من حقوقها. لكن اللغة الرسمية الجامعة التي نص عليها دستور البلاد هي اللغة العربية، لأنها توحد بين جميع المكونات الوطنية فكراً ونزوعاً وأداءً ورؤىً ومشاعر وآلاماً وآمالاً، تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وهي ذاكرة الأمة العربية ومستودع تراثها، وقلعتنا الحصينة للذود عن هويتنا وذاتيتنا الثقافية.
يجب أن نكون واعين جداً للتحديات التي تواجه لغتنا الأم، بمناسبة الاحتفال بيوم اللغة الأم لا لغة الأم. فمن حق المكونات الوطنية على الأرض العربية أن تحتفي بلغتها الأم إلى جانب اللغة العربية باعتبارها الرسمية في الدولة ولغة القرآن الكريم والموحدة للجميع. ويذكر الكاتب أعلاماً كباراً مشهورين خدموا اللغة العربية من غير أبنائها العرب، مثل سيبويه وابن سينا والخوارزمي والرازي وابن الرومي.
تتمثل أبرز هذه التحديات في إحياء اللهجات العامية من جهة، واستبدال اللغة الأجنبية بالعربية في العملية التعليمية، وتحريض المكونات غير العربية للسعي إلى إحلال لغتهم الأم مكان العربية. كل ذلك يؤدي إلى تهميش لغتنا الأم العربية الفصيحة وتقهقرها، وفي التقهقر درب نحو الاندثار والزوال لا قدر الله. ومع التفاؤل بصمود لغتنا الأم أمام التحديات كافة، وطالما تعرضت لغتنا العربية في مسيرة حياتها إلى محن ونكبات وكانت هي الغالبة والمنتصرة والخالدة، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، إلا أن علينا واجب العمل لحماية اللغة، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).
يدعو الكاتب إلى أن يكون الأمن اللغوي في عصرنا الحالي محط اهتمام دولنا العربية كافة، فضعف اللغة ينبع من عدوان داخلي وخارجي. ويعد الاعتداء عليها من أبنائها عندما يتسمون بعدم الاهتمام بها، وتفضيل لغات أجنبية عليها، واستعمال العربيزي (أو "الفرانكو" وهي لغة غير رسمية تستخدم حروفاً لاتينية وأرقاماً لكتابة كلمات عربية) في أداءاتهم التواصلية أدهى وأمر من الاعتداءات الخارجية، إذ لا شيء أقسى من عقوق الأبناء لأمهاتهم. ويستنكر تباهي بعض شرائح المجتمع المخملي بكفاية أطفالهم في الروضة من الكلام باللغة الأجنبية لا بالعربية، مؤكداً أن مرحلة رياض الأطفال والحلقة الأولى من التعليم الأساسي هي المرحلة الذهبية لإتقان الأطفال التكلم بالقوالب اللغوية الصحيحة التي تترسخ على الألسنة والأقلام بالصورة الرضية من دون الدخول في المصطلحات النحوية، إذ يكفي أن ينطق الطفل البنية اللغوية صحيحة على لسانه نتيجة التكرار المستمر والممارسة المؤدية إلى تشكيل المراتب الأولى من المهارة اللغوية، مع الأخذ بالحسبان أن المهارة اللغوية لا تتكون لدى متعلمينا إلا بهذا الشرط الأساسي المتمثل في المران والممارسة والتكرار على أن يكون المعلم مرشداً وموجهاً ومثالاً في تعليمه لتلك القوالب اللغوية وأنماطها، وحاثاً ومشجعاً ومقوّماً بالرفق والحنان لأداء متعلميه. وحبذا لو كان ثمة تعاون وتكامل بين البيت والمدرسة في هذه العملية التكوينية للمهارة اللغوية، على أن تقوم المدرسة بسدّ هذه الفجوة إذا كان ثمة أمية لدى الأهل، والأم الواعية المتعلمة لها دور كبير في هذا المجال، ورحم الله جبران خليل جبران القائل: "أم متعلمة راقية أمة راقية".
وفي الختام، يدعو الكاتب إلى تعليم أطفالنا منذ نعومة أظفارهم في رياض الأطفال حفظ آيات من القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والشعر العربي السهل والجميل والبهي، فهذا كله يقوّم اللسان، وإن لم يفهم أطفالنا الصغار المعاني فسيفهمونها في مراحلَ تالية، ولكن يساعدهم ذلك كله على ترسيخ البنى الأساسية والأنماط اللغوية السليمة على ألسنتهم وأقلامهم، وهذا ما أدركه لاحقاً من تجربته التربوية، إذ يعد المراحل الأولى من حياة متعلمينا هي العصر الذهبي لاكتساب اللغة العربية الفصيحة، وذلك بناءً على تجربته التربوية الطويلة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة