الاقتصاد السوري: صندوق النقد الدولي يرسم مسار التعافي ويحذر من تحدي الديون


هذا الخبر بعنوان "بين نشوة التعافي وهاجس الديون.. اقتصاد سوريا أمام مفترق طرق" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد، أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة حماه، أن قراءة صندوق النقد الدولي للواقع الاقتصادي السوري، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها، تحمل في طياتها بشائر التعافي وتطلعات المستقبل. وفي حديثه لـ"الوطن"، وصف أستاذ الاقتصاد البيان الأخير الصادر عن الصندوق، عقب زيارة فريق الخبراء إلى دمشق، بأنه يرسم صورة متفائلة ولكن حذرة لاقتصاد بدأ يستعيد مكانته الإقليمية والدولية. فبينما تشير المؤشرات إلى تحسن النشاط الاقتصادي، واستقرار نقدي غير مسبوق، وفائض في الموازنة العامة، يبرز تحدٍ محوري يتمثل في هاجس الديون الخارجية المتراكمة وكيفية إدارتها.
وأشار الدكتور محمد إلى أن هذا الواقع الاقتصادي المستجد يضع سوريا أمام مفترق طرق حاسم، حيث تتلاقى الحاجة إلى الخبرة الفنية مع تعقيدات إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي. هذا يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة دور صندوق النقد الدولي في هذه المرحلة: هل يقتصر دوره على كونه مهندساً فنياً للإصلاحات، أم يتعداه ليصبح شريكاً استراتيجياً في رسم مستقبل العلاقات المالية لسوريا مع العالم؟ من الناحية الواقعية، يوضح محمد أن برنامج المساعدة الفنية بحد ذاته لا يمكن اعتباره "صك غفران مالي" مباشراً، بل هو حجر الزاوية والشرط الفني الأهم لأي عملية إعادة جدولة للديون في المستقبل. فالديون السيادية السورية قضية معقدة تتشابك فيها الأبعاد القانونية والسياسية، وإعادة جدولة الديون أو "غفرانها" لا تتم بمجرد التعاون التقني، بل هي قرار سياسي بامتياز تتخذه الجهات الدائنة، وعلى رأسها دائني نادي باريس.
وأضاف الدكتور محمد أن القيمة الحقيقية للمساعدة الفنية التي يقدمها صندوق النقد الدولي تكمن في قدرتها على بناء بيئة من الثقة والمصداقية، وهي ضرورية لاتخاذ القرار السياسي بشأن الديون. هذه المساعدة تسهم في توثيق الوضع المالي، وإنتاج إحصاءات دقيقة وشفافة حول حجم الدين وقدرة سوريا على السداد. كما تساعد في بناء المؤسسات من خلال إنشاء إطار مؤسسي فعال لإدارة الدين العام وفقاً للمعايير الدولية، وتدعم الإصلاح الهيكلي بتنفيذ إصلاحات تثبت جدية الحكومة في تصحيح مسار الاقتصاد الكلي، مما يبعث الطمأنينة لدى الدائنين.
لذلك، يمكن اعتبار هذا البرنامج بمثابة "الشهادة الفنية" أو "الختم الصحي" الذي يؤكد أهلية الاقتصاد السوري للدخول في مفاوضات جادة. وأوضح محمد أنه في ظل التوازنات الجيوسياسية الراهنة، فإن حصول الحكومة السورية على هذه الشهادة من مؤسسة بحجم وحيادية صندوق النقد الدولي (نسبياً) سيمثل عامل ضغط إيجابي وقوة تفاوضية للمطالبة بمعاملة تفضيلية، لكنه لا يغني عن الإرادة السياسية للدائنين.
وأفاد الدكتور محمد بأن صندوق النقد الدولي يضطلع بدور مزدوج، إلا أن ثقله الأكبر وأدواته تميل بشكل أساسي نحو دور "المحفز التقني" الذي ينتج، كنتيجة حتمية لعمله، "خارطة طريق سياسية" غير مباشرة. ويعزو ذلك إلى تركيز الصندوق على أدواته التقليدية مثل تحسين الإحصاءات، وإصلاح المالية العامة، وبناء قدرات المصرف المركزي، وتطوير القطاع المالي. تهدف هذه الأدوات إلى بناء اقتصاد أكثر شفافية واستقراراً، مما يؤهله فنياً لجذب التمويل والاستثمار. إن نجاح الصندوق في هذا الدور سيبعث بإشارة إيجابية قوية للأسواق والمؤسسات المالية الدولية.
علاوة على ذلك، فإن اشتراط الصندوق لمعالجة إرث الديون يضع ملف العلاقات مع الدائنين الدوليين على رأس أولويات الحكومة، مما يدفعها بشكل غير مباشر إلى تبني سياسة خارجية أكثر انفتاحاً واستقراراً لتسهيل هذا الملف. ويستخدم الصندوق أدواته التقنية لخلق واقع اقتصادي جديد. وأضاف محمد أن هذا الواقع الجديد هو الذي يرسم "خارطة الطريق" التي يجب على الحكومة اتباعها، ليس فقط في سياساتها الاقتصادية، بل وفي تعاملاتها المالية الدولية، مما يجعل دوره "محفزاً تقنياً" ذا ناتج سياسي واقعي.
وأكد الدكتور محمد أن البيان الصادر عن صندوق النقد الدولي يمثل لحظة فارقة في مسار التعافي الاقتصادي السوري، لكنه يتطلب قراءة متأنية بعيداً عن النشوة الإعلامية. فالمؤشرات الإيجابية، مثل الفائض الموازني وتباطؤ التضخم، تعكس نجاح سياسات تقشفية وإدارية مؤقتة، لكنها تظل هشة ما لم تُبنى على أسس إنتاجية حقيقية وتنويع اقتصادي يقلل الاعتماد على الإيرادات الريعية أو المؤقتة. ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه سوريا اليوم في تحويل "الاستقرار النقدي" إلى "نمو شامل ومستدام".
وأوضح أن تحقيق ذلك يتطلب ربط الإصلاح النقدي بالاقتصاد الحقيقي؛ فلا يكفي ارتفاع سعر الصرف ما لم يرافقه انتعاش في القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة والخدمات، التي توفر فرص عمل حقيقية للعائدين والسكان. كما يستلزم إدارة توقعات الإنفاق العام، فموازنة 2026 طموحة في زيادة الإنفاق على الرواتب والبنية التحتية، لكن تمويل هذا الإنفاق يجب أن يأتي من إيرادات مستدامة، مثل إصلاح النظام الضريبي ومكافحة التهرب، وليس على حساب الاستقرار النقدي الذي تحقق بصعوبة. وأكد على ضرورة النظرة الشمولية للدين، فمعالجة إرث الديون يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية متكاملة لإعادة الإعمار والتنمية، لا مجرد عملية محاسبية. فالمطلوب هو مفاوضات ذكية تحول الدين من عبء إلى أداة لتمويل مشاريع تنموية تعود بالنفع على جميع الأطراف.
واختتم الدكتور محمد حديثه بالتأكيد على أن عودة سوريا التدريجية إلى الخريطة الاقتصادية العالمية، بدعم فني من صندوق النقد الدولي، تفتح نافذة أمل حقيقية. ومع ذلك، فإن المسار لا يزال طويلاً وشاقاً، ويتطلب إرادة سياسية محلية قوية للإصلاح، وحكمة في إدارة الملفات الخارجية، وفهماً دولياً لخصوصية المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد، لضمان ألا تتحول بشائر التعافي إلى سراب.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد