التصعيد الإقليمي يهدد بزعزعة الاستقرار العالمي: هل تنجح القوى الكبرى في احتواء شرارة الصراع قبل تحولها إلى أزمة جيوسياسية واقتصادية شاملة؟


هذا الخبر بعنوان "حرب على حافة التمدد: هل تتحرك القوى الكبرى بسرعة لاحتواء التداعيات قبل أن تتحول شرارة إقليمية إلى زلزال جيوسياسي واسع؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير الدكتور سلمان ريا إلى أن التصعيد العسكري المتسارع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجاوز كونه مجرد حدث عسكري معزول أو رد تكتيكي محدود. فما تشهده المنطقة يمثل تحولًا بنيويًا في معادلات الردع الإقليمي، خاصة مع اتساع نطاق الضربات ليشمل قواعد ومنشآت في البحرين والكويت وقطر والإمارات والأردن وكردستان العراق. هذا التوسع الجغرافي لا يعكس مجرد تصاعد عسكري، بل يؤكد انتقال الصراع من مستوى المواجهة الثنائية إلى فضاء إقليمي متعدد الأطراف.
من منظور استراتيجي، لا يمكن قياس ميزان القوة الراهن بالاعتماد فقط على عدد الطائرات أو حجم الترسانة العسكرية، بل يتوقف الأمر على طبيعة العقيدة القتالية لكل طرف. فإيران، على سبيل المثال، لا تعتمد على نموذج الحرب الكلاسيكية، بل تستخدم مزيجًا من الردع الصاروخي، والقدرات غير المتكافئة، والانتشار الشبكي عبر ساحات متعددة. في المقابل، تتميز الولايات المتحدة وإسرائيل بتفوق نوعي في السيطرة الجوية، والاستخبارات الدقيقة، والقدرة على توجيه ضربات عالية الكثافة. ومع ذلك، فإن هذا التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة حسمًا سياسيًا سريعًا، خصوصًا إذا ما تطور الصراع إلى مرحلة استنزاف على جبهات متعددة.
يتمثل التحول الأكثر خطورة في اقتراب الصراع من الممرات البحرية الحيوية. فأي تهديد جدي لحركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، من شأنه أن يحول المواجهة من نزاع إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية. يكفي شهر واحد من التعطيل الجزئي لإحداث صدمة سعرية حادة، ورفع تكاليف النقل والتأمين، وإعادة إشعال موجات التضخم في الاقتصادات الصناعية. وإذا تزامن هذا مع اضطراب في باب المندب، فإن خطوط التجارة بين آسيا وأوروبا ستواجه اختناقًا مزدوجًا، مما يضاعف احتمالات الركود العالمي.
إن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل دول الخليج والأردن يعني عمليًا أن هذه الدول، حتى لو لم تكن صاحبة قرار في بدء الحرب، قد أصبحت جزءًا من مسرح العمليات. وهذا يرفع منسوب المخاطرة السياسية والاقتصادية لديها، ويفتح الباب أمام تعقيد أي مسار تفاوضي محتمل، نظرًا لتعدد الأطراف المتضررة وما يترتب عليه من تضارب في الحسابات والأولويات.
أما القوى الكبرى التي لا تشارك مباشرة في الصراع، فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فالصين، التي تعد من أكبر مستوردي الطاقة من المنطقة، ليست معنية بانهيار الاستقرار أو تعطّل الإمدادات، لكنها في الوقت ذاته لن تدخل في مواجهة عسكرية مفتوحة دفاعًا عن طهران. من المرجح أن يكون دورها دبلوماسيًا واقتصاديًا، مع سعيها لاحتواء التصعيد دون الانخراط العسكري المباشر. أما روسيا، فقد ترى في ارتفاع أسعار الطاقة مكسبًا ظرفيًا، لكنها لن تخاطر بصدام مباشر مع واشنطن، وقد تكتفي بتقديم دعم تقني أو سياسي يهدف إلى تحقيق التوازن دون التورط في مواجهة شاملة.
يتمثل التحدي الحقيقي في هذا المشهد في ديناميكية "الانزلاق". فكل طرف قد يسعى لرد محسوب، إلا أن كثافة الضربات وتعدد الساحات يزيدان من احتمال حدوث خطأ في الحسابات أو إصابة هدف تؤدي إلى خسائر كبيرة، مما يفرض تصعيدًا جديدًا يتجاوز النوايا الأولية. في هذه المرحلة، يصبح التحكم السياسي في مسار الحرب أكثر صعوبة، ويتحول الصراع إلى سلسلة من التفاعلات المتسارعة التي يصعب ضبطها بسهولة.
على الرغم من ذلك، فإن منطق القوة لا يعمل في فراغ. تدرك جميع الأطراف أن الانتقال إلى مواجهة شاملة سيترتب عليه تكلفة اقتصادية واستراتيجية قد تتجاوز أي مكاسب عسكرية محتملة. لذا، يبقى الاحتمال الأكبر هو استمرار التصعيد ضمن سقف "الحرب المضبوطة" التي تهدف إلى إعادة رسم قواعد الردع دون إسقاط أنظمة أو إغلاق طويل الأمد للممرات الحيوية. لكن السيناريو الأكثر خطورة يكمن في خروج الصراع عن هذا السقف وتحوله إلى أزمة طاقة عالمية تعيد تشكيل أولويات النظام الدولي. فالمنطقة تقف اليوم على حافة توازن دقيق بين الردع والانفجار. لن يتقرر الحسم في ساحات القتال وحدها، بل في قدرة الأطراف على إدراك حدود القوة، وفي سرعة تحرك القوى الكبرى لاحتواء التداعيات قبل أن تتحول شرارة إقليمية إلى زلزال جيوسياسي واسع.
سياسة
اقتصاد
سياسة
سياسة