نبع الغمقة في ريف صافيتا: جهود أهلية تطوعية تُحيي الموقع وتُطالب بتحسينات رسمية واجبة


هذا الخبر بعنوان "نبع الغمقة في ريف صافيتا..بين تحسين مرغوب تم تطوَّعا وتحسين مطلوب ننتظر أن يتم تكليفاً" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ نبع الغمقة، الذي يشتهر بمياهه الغزيرة، معلماً طبيعياً بارزاً يقع شمال مدينة صافيتا بحوالي 3.5 كيلومترات. تتلاقى عند حدود حرم النبع أربع وحدات إدارية هي: مدينة صافيتا، بلدية الجرويه، بلدية الصومعة، وبلدية فتاح نصار. يتميز النبع بكونه موسمياً، حيث تبدأ مياهه بالتدفق بغزارة لافتة من أواسط فصل الخريف وتستمر حتى أواخر شهر حزيران، مع تفاوت هذه المدة زيادةً أو نقصاناً بين عام وآخر تبعاً لكمية الأمطار.
تنبع مياه الغمقة من فوهات صخرية تسبقها تجاويف جوفية على شكل كهوف صخرية متشعبة بأحجام وأعماق وأطوال وأعراض مختلفة. تحتوي بعض زوايا هذه التجاويف على ماء دائم، مما يوحي بأنها جزء من نهر مائي جوفي. ومع ازدياد منسوب مياه النهر الجوفي نتيجة الأمطار الغزيرة، تمتلئ جميع الجيوب الكهفية، فيتدفق الماء الزائد من عدة فوهات مفتوحة للخارج، أبرزها الفوهة الكبيرة. تنحدر مياه النبع في سواقٍ لتصب بعد حوالي 150 متراً في النهر المجاور، نهر الغمقة، الذي يواصل مساره ليصب في البحر عند المدخل الجنوبي لمدينة طرطوس قرب الكراج الجديد، بعد حوالي 25 كيلومتراً.
في أواخر القرن التاسع عشر، وقبل انتشار الكهرباء ومحركات الديزل في منطقة النبع، كانت الحاجة ماسة لطحن الحبوب، مما أدى إلى انتشار طواحين الماء التي تعتمد على تدفق المياه من ارتفاع لتشغيل دواليب معدنية تدير رحى صخرية كبيرة. ولتحقيق الاستفادة القصوى من مياه نبع الغمقة لهذه الغاية، تم بناء طاحونة في الوادي غرب النبع بحوالي 1500 متر. قام أصحاب الطاحونة والمجتمع الأهلي آنذاك بتجهيز مجرى ترابي لمياه النبع بمحاذاة النهر وعلى ارتفاع قليل منه، وعمّروا جانبي المجرى بالحجارة لضمان وصول الماء إلى الطاحونة وتشغيلها، ثم يعود الماء ليصب في النهر.
لاحقاً، وبمبادرة أهلية قبل حوالي 150 عاماً، تم إحداث ثقب كبير في الصخرة فوق النبع بهدف تحويل جزء من مياه النبع عبر هذا الثقب إلى حوض، ثم إلى مجرى علوي لتشغيل طاحونة ثانية قرب النبع من الجهة الجنوبية. بعد الانتهاء من تجهيز الثقب والحوض والمجرى الجديد وحلول موسم الشتاء، تدفقت مياه النبع بغزارة من الثقب العلوي الجديد (مع استمرار انسيابها جزئياً من الفوهة السفلية القديمة) نحو الطاحونة الجديدة لتشغيلها. ثم تعود المياه لتصب في بداية المجرى الترابي المتجه نحو الطاحونة الغربية الأولى. لوحظ أيضاً أن غزارة النبع تسمح بإنشاء طاحونة ثالثة ملاصقة للثانية، فتم تجهيز مجرى مائي لها وتشغيلها.
اعتاد أصحاب الطواحين قبل بداية فصل الشتاء من كل عام على تنظيف وتجهيز المجاري المائية المؤدية لطواحينهم. عملت الطواحين الثلاثة معاً لعشرات السنين خلال أشهر تدفق مياه النبع سنوياً. ولكن مع دخول الكهرباء والنفط في النصف الثاني من القرن العشرين، ظهرت الطواحين الحديثة، وتوقفت طواحين الماء الثلاثة التي لا تزال أبنيتها قائمة حتى اليوم، رغم ما أصابها من تصدع كبير. كما أدى إهمال صيانة مجاريها المائية إلى خراب المجرى الطويل للطاحونة الغربية الأولى، وضياع جزء كبير من معالمه، وانسياب مائه في النهر من بدايته قرب النبع. كذلك تعرض مجريا الطاحونتين الثانية والثالثة للتصدع والتهدم، مما أوقف انسياب الماء فيهما. كل ذلك لم يلفت انتباه ورثة ملكية هذه الطواحين (الذين أصبحوا بالمئات وغير معروفين لبعضهم، وكأنه لم يعد يوجد مالكون لها) ولم يلفت انتباه الجهات الرسمية التي كان من المفترض أن تتدخل.
في نهاية فصل خريف عام 2024، بدأت مجموعة من المبادرين الخيّرين بتنظيف بعض الحشائش من حرم النبع، وأنشأوا قنطرة حجرية وإسمنتية على شكل قوس لتسهيل عبور الزوار لحوض النبع. كما تم تجهيز حوض ثانٍ للماء تحت الحوض الرئيسي بأمتار لاستخدامه للسباحة، بالإضافة إلى حوض ثالث لليافعين وحوض رابع للأطفال، مع حفر أدراج في الصخر لتمكين الزوار من النزول والصعود إلى حرم النبع بسهولة. كل هذه الأعمال، من مواد (حجر وإسمنت) وأيدٍ عاملة، قُدمت تطوعاً اختيارياً من المبادرين، دون تحميل أي جهة رسمية أياً من التكاليف. وقد نجم عن هذه الأعمال فائدة كبيرة في تجميل الموقع وتسهيل حركة زوار النبع الذين يقصدونه بالمئات يومياً خلال فصلي الشتاء والربيع، وبالآلاف في أيام الصحو والعطل.
المستغرب في الأمر هو وصول معلومات مغلوطة إلى بعض الجهات الرسمية – خلافاً للحقيقة والواقع – تفيد بأن المبادرين المتطوعين يقومون بعمل تخريبي. وقبل التأكد من الجدوى الكبيرة المتحققة من هذا العمل التطوعي، حذرت هذه الجهات المشاركين في المبادرة من متابعة العمل وهددت بمعاقبتهم، بدلاً من التقدير الذي يستحقونه. خاصة وأن الواقع يظهر وجوب الإطراء والثناء والتشجيع على الاستمرار، ومباركة جهود من شاركوا مع طلب المزيد، لأن ما نفذوه مجاناً كان يحتاج لعشرات ملايين الليرات السورية وربما مئاتها من الموازنة الرسمية.
الجديد في الأمر أن التحسين المرغوب الذي تم تطوعاً من قبل، تظهر الحاجة الماسة لأن يتبعه تحسين جديد مطلوب يجب أن يتم تكليفاً. فحرم النبع الذي يزوره المئات وأحياناً الآلاف كل يوم لا يزال بحاجة ماسة لصيانة لازمة تتمثل في إكمال وتدعيم الصيانة السابقة وتنفيذ صيانة جديدة، وخاصة ترميم ساقيتي الماء العلويتين المتجهتين جنوباً باتجاه الطاحونتين القريبتين، نظراً لأهميتهما الجمالية المعهودة سابقاً. كما يتطلب الأمر تنظيم السواقي الفرعية النازلة وصيانة الحافة الإسفلتية المتهدمة للطريق المعبد الذي يمر على حافة النبع بمحاذاته العلوية شمالاً بطول حوالي 25 متراً. فالتهدم في هذا الطريق المرتفع فوق النبع، وعلى بعد خمسة أمتار منه، يعرّض المشاة والآليات لخطر الهبوط والسقوط بانحدار مخيف إلى حوض النبع، خاصة مع الازدحام المتكرر للسيارات والدراجات والمشاة في هذا المكان، مما يستوجب وجود رصيف يفصل الطريق عن النبع. كما أن هناك خطورة قائمة من فوهة البئر العميق (الموصل إلى الكهوف المائية الجوفية بعمق حوالي عشرة أمتار) المتهدمة والمفتوحة، الكائنة في الجهة الشرقية القريبة من النبع، والتي سبق أن سقط فيها مواطنان وتوفيا قبل سنوات، مما يستوجب ضرورة ترميمها بارتفاع حوالي متر على غرار ما كانت عليه سابقاً، خاصة وأن أغلب زوار النبع يدخلون إلى هذا المكان.
إن مبادرة الصيانة المرغوبة التي تمت سابقاً في حرم النبع كانت في محلها تماماً، والحاجة ماسة مجدداً إلى صيانة مطلوبة حالياً. وحبذا لو أن الجهات الرسمية التي سبق أن اعتبرت نفسها معنية بموقع النبع، تتقصى وتبحث عن من سبق لهم أن شاركوا تطوعاً في المبادرة السابقة وتثني عليهم وتشجعهم لمبادرة جديدة ومبادرات قادمة كل عام. وألا يغيب عن أذهان الجهات المعنية دراسة إمكانية تنفيذ مشروع لمياه الشرب في منطقة النبع حال كان ذلك مناسباً، والاستفادة من مراجعة الدراسات السابقة التي تمت حول تنفيذ سد على النهر للاستفادة من مياه النبع الغزيرة التي تتدفق كل عام بدلاً من اتجاهها إلى البحر.
الكاتب: عبد اللطيف شعبان، عضو جمعية العلوم الاقتصادية، عضو اتحاد الصحفيين (موقع: أخبار سوريا الوطن2).
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي