التضخم الجامح ينهك السوريين في رمضان: تحليل لأسباب الغلاء وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية


هذا الخبر بعنوان "الغلاء يضرب جيوب المواطنين في سوريا.. ما الأسباب؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ شباط ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع حلول شهر رمضان المبارك، تتبدل ملامح المدن السورية، حيث تتسلل أضواء الزينة إلى الشرفات وتملأ روائح المعروك الأسواق. لكن خلف هذا المشهد الروحاني، تختبئ حقيقة اقتصادية قاسية؛ فأسعار السلع تواصل ارتفاعها بشكل غير مسبوق، بينما تظل الرواتب ثابتة، بالكاد تكفي لتغطية أيام معدودة من الشهر.
في أسواق المحافظات السورية، يقف المواطن أمام واجهات المحال في حيرة، فأسعار المواد والسلع الغذائية الأساسية، مثل اللحوم والفروج والخضار وبعض المواد التموينية، تسجل أرقامًا قياسية. لم يعد الغلاء ظاهرة عابرة، بل تحول إلى واقع يومي يفرض إيقاعه على أدق تفاصيل الحياة. فاتورة الإفطار البسيط باتت تتجاوز قدرة شريحة واسعة من الأسر، التي تضطر لتقليص أصنافها أو الاستغناء عن مواد كانت تُعد أساسية في هذا الشهر الفضيل. وقد رصدت عنب بلدي في تقارير سابقة ارتفاع أسعار الخضار واللحوم وضعف إقبال الأهالي على مستلزمات رمضان، في ظل ظروف اقتصادية صعبة ترهق قدرتهم الشرائية.
يطرح هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول تداعيات الغلاء وتأثيره على قدرة المواطن. يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن الغلاء في سوريا ليس تضخمًا موسميًا أو عابرًا، بل هو تضخم جامح وهيكلي. ويصفه بأنه غلاء "مستورد" في معظمه، نظرًا لاعتماد الاقتصاد السوري على الاستيراد في جزء كبير من احتياجاته، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر (كمواد أولية ومستلزمات إنتاج). ويصاحب هذا الغلاء اختناق في التمويل وشح في السيولة، مما يخلق حالة من "الركود التضخمي".
رصد مراسلو عنب بلدي في المحافظات ارتفاعًا كبيرًا في أسعار اللحوم مؤخرًا، مع إقبال ضعيف على الشراء. فقد تجاوز سعر كيلو لحم العجل أكثر من 150 ألف ليرة سورية، وكيلو لحم الغنم تجاوز 200 ألف ليرة سورية، بينما تجاوز سعر كيلو الفروج 30 ألف ليرة سورية في غالبية المحافظات (مقابل دولار يعادل 11,700 ليرة سورية). واعتبر الدكتور عبد الرحمن محمد أن اللحوم تحولت إلى سلعة "كمالية" أو "رفاهية" لا يستطيع أغلبية السوريين تناولها إلا في أضيق الحدود كالأعياد. وعزا ذلك لعدة أسباب، أبرزها: الارتفاع الجنوني لأسعار الأعلاف المستوردة (الذرة والصويا) بسبب عدم ثبات سعر الصرف، مما رفع تكلفة تربية الدواجن والمواشي بشكل كبير. إضافة إلى تراجع الثروة الحيوانية جراء الحرب والجفاف، وارتفاع تكاليف النقل والمحروقات.
من جانبه، صرح رئيس غرفة زراعة درعا، أنيس مفعلاني، لعنب بلدي بأن قلة المعروض من الدواجن هي السبب الرئيسي لارتفاع الأسعار، مرجعًا ذلك إلى عدم إقدام المربين على تربية دفعات جديدة بعد تكبدهم خسائر مالية بسبب وباء "نيوكاسل" وانخفاض سعر الفروج في الدورات السابقة. و"نيوكاسل" هو مرض تنفسي شديد العدوى يشبه "إنفلونزا الطيور"، ويؤثر على الدواجن والطيور وينتقل عبر الاتصال المباشر أو البراز أو المياه والطعام الملوث. وأشار مفعلاني إلى أن منع استيراد الفروج المجمد، الذي كان يُستورد بكميات كبيرة من تركيا، وإيقاف استيراد الصوص، يعدان سببين آخرين لارتفاع الأسعار.
يشهد سوق الخضار في سوريا منذ بداية شهر رمضان ارتفاعًا ملحوظًا ومستمرًا في الأسعار، مما أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين، وأدى إلى تراجع الإقبال على الشراء واقتصاره على كميات قليلة تلبي الحد الأدنى من الاحتياجات اليومية. وشرح أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، أن زيادة الطلب على الخضار أدت لغلاء الأسعار، بالتوازي مع قرار منع استيراد بعض أصناف الخضار، بالإضافة إلى تصدير بعض أصناف الخضار والفواكه، مما أدى لخفض كمياتها في الأسواق.
وكانت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير قد أصدرت قرارًا في 1 من شباط، منعت فيه استيراد عدد من المنتجات الزراعية، منها البطاطا والليمون والملفوف والجزر والبرتقال والقرنبيط. وأعادت في 28 من شباط، قرارًا يمنع استيراد البطاطا والفروج المفرز خلال شهر آذار المقبل. وأرجع الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي، عبد الرحمن محمد، غلاء غالبية أصناف الخضار والفواكه في الأسواق السورية إلى ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي المستوردة (أسمدة، مبيدات، بذور)، وارتفاع تكاليف مياه الري التي تعتمد على الوقود لتشغيل الآبار. وأضاف لذلك غلاء النقل من الريف إلى المدينة، وهشاشة سلسلة التبريد والتخزين مما يؤدي إلى تلف جزء كبير من المحصول وارتفاع سعر المتبقي.
شهدت الأسواق السورية حركة خجولة قبيل حلول شهر رمضان، وسط إقبال محدود من المواطنين على شراء مستلزمات الشهر، في ظل ارتفاع مستمر للأسعار وتراجع ملحوظ في القدرة الشرائية. وأوضح تاجر في سوق باب سريجة بدمشق، لعنب بلدي في تقرير سابق، أن حركة البيع أقل من العام الماضي، مشيرًا إلى أن معظم الزبائن يشترون كميات محدودة من المواد الأساسية، ويتجنبون السلع التي تُعد كمالية.
وربط الخبير الاقتصادي شهر رمضان بتأثيره على غلاء السلع والمواد الغذائية في الأسواق، موضحًا أن التأثير الأكبر يتمثل في تغيير نمط الاستهلاك، حيث تحاول الأسر تقديم بعض الأطباق الرمضانية (ولو بشكل رمزي) على حساب مواد أساسية أخرى. كما يزداد النشاط الاستغلالي لبعض التجار عبر رفع الأسعار بحجة زيادة الطلب، على الرغم من أن القوة الشرائية منخفضة. وأوضح أنه غالبًا ما تسبق رمضان موجة من ارتفاع الأسعار يستغلها التجار، فيما يعرف بظاهرة "الشحن" أو تهيئة السوق.
تحولت الأزمة الاقتصادية في سوريا من تحدٍ إلى واقع يومي يفرض أنماطًا جديدة وقاسية من التكيف. وتتبدى التداعيات كسلسلة مترابطة من الآثار العميقة التي أعادت تشكيل أولويات الأفراد وغيرت ملامح المجتمع بأسره. وبحسب الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، تتمثل التداعيات في الآتي:
يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن الحلول لا يمكن أن تكون ترقيعية، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة. وأبرز ما يتوجب على الحكومة، برأيه، هو معالجة جذرية لسعر الصرف، وتفعيل الرقابة، ودعم الإنتاج المحلي، وتفعيل شبكة الحماية الاجتماعية، وضبط الإنفاق العام:
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة