سوريا: لماذا هُزمت الثورة؟ تحليل غزوان قرنفل لأزمة الوعي العميق


هذا الخبر بعنوان "سوريا.. الثورة المهزومة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد الكاتب غزوان قرنفل أن هزيمة أي ثورة لا تقتصر بالضرورة على مواجهتها بالقمع الأمني أو العسكري، أو اختطافها من قبل قوى الأمر الواقع المسلحة. بل إن الهزيمة الأعمق والأشد تأثيرًا تكمن في مستوى أبعد من ميادين القتال وغرف التفاوض، وهي ما يسميه 'هزيمة الوعي'. فالثورة التي لا تُحدث تحولًا جذريًا في البنية الفكرية والثقافية والمعرفية للمجتمع الذي قامت من أجله، تُعد ثورة مهزومة حتمًا، حتى لو رفعت أسمى الشعارات وقدمت أعظم التضحيات وامتدت لسنوات طويلة.
في جوهرها، تتجاوز الثورة مجرد كونها فعلًا احتجاجيًا ضد سلطة سياسية جائرة، أو سعيًا لتغيير أشخاص الحكم وآلياته. إنها، أو ينبغي أن تكون، قطيعة معرفية وأخلاقية شاملة مع منظومة متكاملة من الأفكار والقيم والسلوكيات التي أنتجت الاستبداد وشرعنته وأعادت إنتاجه عبر الأجيال. وعندما تخفق الثورة في تحقيق هذه القطيعة، فإنها لا تُسقط النظام بقدر ما تعيد تدويره، ولا تحرر المجتمع بقدر ما تبقيه أسيرًا لآليات القهر ذاتها، حتى وإن تبدلت الوجوه.
إن الوضع الراهن في سوريا ليس حدثًا طارئًا أو خيانة مفاجئة لمسار كان يُفترض أنه سليم، بل هو نتيجة طبيعية ومنطقية لثورة هُزمت منذ بداياتها على مستوى الوعي. هذه الثورة، التي امتدت لعقد ونصف العقد، وشهدت دماءً وتضحيات ومنفى وخرابًا، عجزت رغم كل ذلك عن إحداث أي تغيير جوهري في العقول الراكدة، أو إعادة النظر في مسلمة فكرية راسخة، أو تبديل مفهوم خاطئ واحد استقر في أذهان الناس لعقود طويلة.
لقد تأسست مئات من منظمات المجتمع المدني، وأطلقت برامجها، وعقدت مؤتمراتها وورشات عملها، وقدمت تقاريرها، ورفعت شعارات التمكين وبناء السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. إلا أن كل هذه الجهود ظلت في الغالب حبيسة اللغة النخبوية، أو رهينة للتمويل، أو منفصلة عن الواقع الاجتماعي العميق.
فشلت هذه المنظمات، أو لم تجرؤ، على الغوص في عمق المشكلات لمعالجة جذورها، واكتفت بمحاولة علاج الأعراض. لم تطرح تساؤلات جوهرية مثل 'لماذا يفكر الناس على هذا النحو؟'، وكيف تشكلت منظوماتهم القيمية؟ ومن المستفيد من بقائها على حالها؟ بل تعاملت مع المجتمع كضحية صامتة، بدلًا من اعتباره شريكًا في إنتاج الاستبداد أو مقاومته. ونتيجة لذلك، تُرك الناس فريسة للجهل المنظم، وضحالة المعرفة، والخطاب الشعبوي، والانتماءات الضيقة. حُرموا من الأدوات النقدية، ومن تعليم يحفز العقل ويحرره من أسر المفاهيم الخاطئة أو المتطرفة، ومن خطاب ثقافي جاد يزعزع اليقينيات الزائفة التي تربوا عليها. والأدهى من ذلك، أن العديد من هذه 'اليقينيات' أُعيد إنتاجها داخل الفضاء 'الثوري' نفسه، سواء في السياسة أو الدين، في الإعلام أو العمل المدني. فكيف لثورة أن تنتصر وهي تحمل في داخلها ذات البذور التي أنبتت الاستبداد؟
بالرغم من تآكل النظام وسقوطه، فإن البنية الذهنية التي سمحت بوجوده لعقود طويلة ما زالت قائمة. لا يزال العقل يقدس الزعيم، ويخشى الحرية، ويبحث عن الخلاص في القوة لا في القانون، وفي الغلبة لا في العدالة. إنه عقل يرفض النقد، ويشيطن الاختلاف، ويستسهل العنف، ويبرر الإقصاء، ويرى في الدولة غنيمة، وفي السياسة صراع وجود، وفي الآخر المختلف تهديدًا دائمًا.
مع استمرار هذا النمط من التفكير، لا يمكن لأي ثورة أن تنتصر مهما طال أمدها. إن الهزيمة التي نعيشها اليوم ليست مجرد إخفاق لمشروع سياسي أو وطني فشلنا في بنائه على مدار عقد ونصف، بل هي أيضًا هزيمة لمشروع ثقافي لم ير النور قط، أو لم يُسمح له بالولادة.
لم نخض معركة التعليم، ولا معركة الوعي، ولا معركة إعادة تعريف المفاهيم الأساسية للدولة والمواطنة والحرية والدين والسلطة والمجتمع والقانون. وبدون هذه المعارك، سيبقى أي تغيير سطحيًا وهشًا، وقابلًا للانقلاب عليه عند أول اختبار. سنظل مهزومين ومنكسرين، ليس فقط بسبب تآمر العالم أو عبث القوى الإقليمية والدولية بمصيرنا، بل لأننا ما زلنا نتمسك بالأفكار والبنى العقيدية والمعرفية والثقافية ذاتها التي تعفنت في عقولنا. لم نجرؤ على طرحها، وجبنّا عن مواجهة أنفسنا بصدق، ولم نخضع تراثنا وسلوكنا وأنماط تفكيرنا وعاداتنا للفحص والتمحيص والمراجعة والمساءلة الجذرية. ولهذا السبب، فشلنا وفشلت ثورتنا، وآلت أوضاعنا إلى ما هي عليه الآن. فالثورة التي لا تحرر العقل، لا يمكنها قطعًا أن تحرر الإنسان، والثورة التي لا تغير الإنسان وتحرر عقله من الأسر، لا يمكنها أبدًا أن تغير الحاضر أو تصنع المستقبل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة