مسلسل 'الخروج إلى البئر': الزمن ذاكرة مفتوحة وجرح سوري لا يندمل


هذا الخبر بعنوان ""الخروج إلى البئر"… الزمن بوصفه ذاكرةً مفتوحة وجرحًا بلا خاتمة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتطلب تناول المسلسل السوري "الخروج إلى البئر" كدراسة مستقلة مقاربة خاصة، كما أشارت الناقدة دلفين دوبس. فبخلاف أشكال الأدب التخيلي الأخرى كالفيلم أو الرواية، يستلزم هذا العمل مراعاة طبيعته التخيلية من حيث إطالة مدته الزمنية، مما يدعو إلى "أخذ وقتنا" في متابعته. فالرواية قد تكون طويلة بلا حدود، مع مراعاة القيود الاقتصادية للنشر، لكن المسلسلات التلفزيونية تفرض بطبيعتها المتأصلة طريقة معينة لعرض الزمن، مؤكدة على ما قبل وما بعد كل حدث، سواء كان سياسيًا أو عاطفيًا أو أخلاقيًا.
صناعة الجذب والترقّب
تتمثل سمة أساسية أخرى للمسلسل في تقسيم الزمن إلى مقاطع، تفصل بينها فواصل زمنية أطول بكثير من تلك التي تفصل بين مشهدين في فيلم أو مسرحية، أو فصلين في رواية. هذا التقسيم يخلق تأثيرًا مطولًا من التشويق والترقب. ورغم أن القراء قد ينتظرون سنوات بين روايات سلسلة أدبية، مع خشيتهم من وفاة المؤلف أو تغيير مشاريعه، فإن المسلسل التلفزيوني، بصفته عملًا جماعيًا له ظروفه الاقتصادية والصناعية الخاصة، يحافظ على فترة الترقب هذه بطريقة مختلفة. ففي الوضع الأمثل، يكون الفاصل الزمني للبث منتظمًا، مما يضخم ردود الفعل العاطفية للجمهور ويضفي طابعًا طقوسيًا على ممارسات المشاهدة والتفسير. وهكذا، ينشئ "المسلسل" إطارًا خاصًا للتعامل مع زمن الأحداث، أي زمن الحادث المُمثَّل فيه: مدة طويلة ومجزأة.
الاستعصاء: انعدام الفارق بين الحياة والموت
يسمح تمديد الإطار الزمني للقصة بتوسيع المدة الزمنية المصوَّرة، وهذه هي الفكرة الأساسية في المسلسل: استعصاء سجن صيدنايا عام 2008. ثلاثة أيام خرج فيها السجن عن السيطرة، وتحكّم بمداخله ومخارجه معتقلو حقبة القمع الأسدي. لا توجد أرقام دقيقة من كلا الطرفين فيما يخص الشهداء من المعتقلين وقتلى النظام، ناهيك عن السوريين. الحادثة الشهيرة التي اندلعت شراراتها من سبّ أحد السجانين للذات الإلهية، وسريعًا ما تدحرجت كرة الثلج، استدعت تقارير من منظمات حقوقية دولية وصحف وإذاعات وتلفزة. الكثير من السوريين يعرفون هذا السجن سيّئ السمعة والصيت، الذي زُجّ فيه أكثر من ثلاثين ألف معتقل، ولم يخرج منه بعد تحرير البلد من أزلام الأسد سوى ستة آلاف سجين، بينما الآخرون "تبخروا"، على حد تعبير الممثل طارق مرعشلي في إحدى مشاهد البدايات، في استعراض همجي ورعاعي للجلاد، الجلاد "الذي يحيي ويميت" على حد تعبيره.
الزمن بوصفه أداة درامية
من خلال سيناريو الكاتب سامر رضوان، يتضح أنه يمكن استكشاف العديد من المواضيع الأساسية على مدى فترة طويلة من خلال مسلسل، لكن المبدأ يبقى واحدًا. ففي مسلسل "الخروج إلى البئر" يرتبط تجنيد الرائد السابق في سلاح الهندسة، القومي الهوى، المعتقل في صيدنايا عقب غزو العراق ومشاركته في الحرب، "سلطان أبو فارس"، الذي جسّد دوره الممثل العملاق جمال سليمان، بسؤال النجاة أو السقوط. ومن جهة أخرى، يسمح تمديد الزمن بمزيد من التفاصيل في تصوير الحدث الذي يدور حوله العمل. ويُعد مسلسل "24 ساعة" مثالًا بارزًا على هذا التوجّه، حيث يُظهر البحث عن تطابق شبه تام بين الزمن المصوَّر والزمن "المُمثِّل".
تلفزيون بنكهة السينما
ثمة نقطة أخيرة لا بد من مراعاتها لفهم هذه الأعمال الدرامية، وهي حكر على المسلسلات. فلكي ينجذب المشاهد إلى رشاقة السيناريو وخفة الكاميرا الساحرة لمحمد لطفي، لا بد أيضًا من الاحتجاج عليه من منحى آخر، وهو خفوت الألوان، والتقليل في بعض المشاهد من عدد الكاميرات، إضافة إلى كادرات بصرية تشوبها الكثير من مؤثرات السينما. ببساطة، أن نجد شيئًا مثيرًا للاهتمام في كل حلقة، وأن نشعر بأن شيئًا ما يحدث. وهذه النقطة، على بداهتها، تستحق التأكيد، لا سيما أنها أساسية في تحديد مشاعر الرفض أو الاهتمام أو حتى الإدمان التي قد يثيرها كل مسلسل، والتي تختلف من شخص لآخر.
الوحدة والتكامل ودائرة التشويق
في أغلب الأحيان، تُعدّ المسلسلات ذات الطابع التاريخي مشهدًا بحد ذاته. ففي كل حلقة من مسلسل "الخروج إلى البئر" يختفي شخص أو أكثر، ثم يعثر عليهم سلطان وزملاؤه في حالات حفظ متفاوتة، وهو ترميز لتلك الحلقات التي كان يُمارَس فيها الذبح الجماعي. ما أسمّيه "تأثير المسلسل"، أي ظهور وحدة متكاملة وخيط سردي واحد متسلسل من سلسلة حلقات، هو في النهاية شديد القوة. فالتشويق بين الحلقات، وصناعة عمل تلفزيوني يرصد ذلك الثقب الأسود في تاريخ سوريا في قبضة الأسدين، أمر بالغ الصعوبة. كيف تصنع فنًا حقيقيًا وأنت تخوض في دماء أهلك؟ كيف تنكأ جراحًا لم تندمل بعد؟ وكيف تقارب حياةً تصنعها الكاميرا والممثل لأشخاص ربما لم يحصلوا حتى على قبر؟
أحمد صلال - زمان الوصل
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة