الضاحية الجنوبية في ليلة رعب ونزوح جماعي: غارات إسرائيلية تعيد بيروت إلى روتين الحرب


هذا الخبر بعنوان "سُكان الضاحية في ليلتهم الطويلة: هائمون في الطرقات بحثاً عن «مأوى آمن»" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آذار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سلسلة من الغارات الإسرائيلية التي استهدفت منطقة حارة حريك ليل الأحد – الإثنين، دخلت الضاحية الجنوبية لبيروت عملياً في روتين الحرب. بدت الشوارع خجولة الحركة، على غير عادتها في بداية الأسبوع، حيث اصطفت السيارات المحمّلة بالحقائب والمفروشات تحت الأبنية، إيذاناً بتحضير أصحابها للنزوح مجدداً. وفي مشهد موازٍ، رُصدت شاحنات أمام المحال التجارية الكبرى تنقل بضائعها إلى أماكن أكثر أمناً، وهو حال التجار ومن قضى ليلته في سريره لحظة الضربة.
فضل آخرون مغادرة بيوتهم تحت القصف، اقتناعاً منهم بأن ما حدث هو بداية لحرب ستتوسع سريعاً. ثلاث غارات متتالية، بلا فوارق زمنية تُذكر، أيقظت الآمنين من نومهم، قبل أن يملأ الرصاص الأجواء لإنذار من بقي نائماً، ثم صدر «بيان حزب الله الرقم 1». لم يكد السكان ينهون قراءة البيان حتى دوّت انفجارات عنيفة سُمعت أصواتها في أرجاء العاصمة، لتنتهي الليلة باستشهاد عشرين منهم. لم تمر على الضاحية ليلة كهذه منذ انتهاء جولة الحرب الأولى في تشرين الثاني 2024، حيث عاش سكانها هدوءاً نسبياً لأكثر من عام، تلاشى فجر أمس.
في تلك الليلة المثقلة بالخوف، خرج الناس من بيوتهم بلباس النوم وعيون هلعة. ورغم أن سيناريو التهجير كان ضمن التوقعات، إلا أن أحداً لم يتوقع أن يباغتهم العدو على حين غرة. لذا، كانت قلة من الناس قد تجهزت مسبقاً. بالنسبة لهؤلاء، لا تزال دروس حرب 2024 حاضرة في الذاكرة، وتُختصر بأن الخروج من المنزل عند وقوع أي حالة طارئة يُحتمل أن يطول، وأن البيوت أو مراكز النزوح التي يتوجهون نحوها لا تحتوي بالضرورة على ضرورات الحياة. لذلك، لا بد من حمل ما تيسر من أدوات منزلية وملابس، وبالطبع حقيبة الطوارئ، وأخرى فيها الأوراق الثبوتية الرسمية وما تيسر من أموال. لكن الغالبية الساحقة خرجت بلا شيء وبلا وجهة، ولم يطغَ على تفكيرها في تلك اللحظة العصيبة من الليل الموحش سوى هاجس واحد: النجاة.
هكذا، باتت الضاحية كلها في الشوارع، وهذا ليس تعبيراً مجازياً. فالواقع الذي استفاق عليه أهلها دفعهم إلى الخروج دفعة واحدة إلى الطرقات، بحثاً عن مكان آمن يلجأون إليه، ولو كان المبيت في السيارات أو الحدائق العامة. المهم كان الهروب من الضاحية. في لحظة واحدة، أُقفلت معظم الطرقات والأحياء بالسيارات والناس. وكان معظمهم يسلك الطرقات بلا وجهة محددة، إذ كان ما يهمهم في تلك اللحظة أن يجدوا طريقاً سالكاً نسبياً كي لا تباغتهم الزحمة. لكن سرعان ما سُدت معظم المنافذ، فعدا الطرقات التي أُقفلت بسبب الغارات، ولا سيما طريق المطار (جسر المطار سابقاً)، انقسمت أرتال السيارات وجموع الناس في باقي الطرقات بين من اختار الذهاب نحو بيروت الإدارية ومنهم إلى مناطق الجبل، لمن استطاع إليها سبيلاً، ومن سلك الطريق باتجاه خلدة وعرمون وغيرهما من البلدات التي تُعدّ (حتى اللحظة) آمنة، بانتظار ما سيحمله الصباح من قرارات مدروسة.
استمرت حركة النزوح هذه حتى ساعات الصباح الأولى، قبل أن يعود بعض من غادروا لتوضيب ما أمكن من الاحتياجات. أما المحال التجارية، ففتحت أبوابها على مضض، وكأن أصحابها ينتظرون اندلاع الحرب في أي لحظة. ولأنهم لا يريدون المخاطرة هذه المرة، اختاروا بشكل جماعي غير مقصود إخلاء محالهم من السلع الموجودة فيها، قبل مغادرة المنطقة. فالتجربة الماضية أثبتت أن «العودة تحت النار لإنقاذ الرزق مكلفة للغاية، إذ كلّف نقل محتويات المحل من السجاد مبلغ 1200 دولار، وهذا ما لا أستطيع تحمله الآن»، يقول محمد قاروط، صاحب أحد محال بيع السجاد في محلة الرويس لـ«الأخبار».
كذلك، لم يُرد علي الطويل المخاطرة في ترك الأدوات المنزلية في محله. ففي الحرب الماضية، ورغم عدم تدمير المبنى، إلا أن الأضرار كانت كبيرة على ممتلكاته. لذا، استعجل هذه المرة، وفقاً لتعبيره، واستأجر عدداً من الشاحنات لنقل بضائعه إلى مستودع مستأجر في «منطقة آمنة، أي خارج الضاحية الجنوبية». وهذا الأمر، أي استئجار المستودعات خارج الضاحية، هو ما سعى إليه عدد من تجار الضاحية الجنوبية قبل التصعيد الحالي بشهرين، وفقاً لمحمد الموسوي، صاحب أحد محال بيع الهواتف الخلوية. بالنسبة إليهم، الحرب كانت حتمية، وبالتالي لا بد من تأمين مستودعات خارج الضاحية الجنوبية، يؤكد الموسوي، مضيفاً أنه ليس وحده من اتخذ هذه الخطوة، فهناك تجار دراجات نارية وقطع سيارات يتقاسمون الآن مستودعات في «مناطق آمنة»، وكل ما هو مطلوب أصبح إخراج ممتلكاتهم إليها فقط.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة