الأحد, 30 نوفمبر 2025 11:10 PM

الشارع السوري يتحول: من عبادة الرموز إلى قوة الأفكار

الشارع السوري يتحول: من عبادة الرموز إلى قوة الأفكار

شهد الساحل السوري الأسبوع الماضي حدثًا لافتًا، تمثل في خروج مجموعات من أبناء الطائفة العلوية في مظاهرات متفرقة داخل بعض الساحات والمدن الصغيرة. اللافت في الأمر، أن هذه المظاهرات لم تترافق مع إطلاق نار أو سقوط قتلى أو استخدام للعنف المفرط، بل اقتصر الأمر على تدافع محدود ومناوشات لفظية وإصابات طفيفة.

الرسالة الأساسية كانت واضحة: للمرة الأولى منذ زمن طويل، يستطيع جزء من السوريين النزول إلى الشارع بمظاهرات مضادة للسلطة، وبحماية أجهزة الدولة، دون الخوف من القتل أمام الكاميرات. هذا التطور أعاد إلى الأذهان بدايات الثورة السورية، حين كان الموت جزءًا من المشهد نفسه.

الأهم من الحدث، كان الطريقة التي تلقى بها السوريون هذا الخروج، وخصوصًا في البيئات المؤيدة للسلطة الحالية. على خلاف السنوات السابقة التي شهدت خطابًا دمويًا مباشرًا ضد أي تحرك شعبي، ركز جزء كبير من المؤيدين هذه المرة على نبذ العنف واحترام حق التظاهر. حتى عندما وُجهت اتهامات سياسية تقليدية للمتظاهرين، اختفت تقريبًا الدعوات التي اعتاد السوريون سماعها، ولم يعد هناك حديث عن “السحل”، ولا أمنيات بعودة البراميل المتفجرة، ولا تحريض مفتوح على القتل، وبقيت الانتقادات ضمن حدود الاختلاف السياسي.

هذا التحول اللغوي دليل على أن لغة العنف تراجعت إلى الخلف لمصلحة مفردات أكثر نضجًا، وهذا ما لم يكن متخيّلًا قبل أعوام قليلة. حتى حين ارتبطت هذه المظاهرات بدعوة الشيخ غزال غزال المعروف بقربه من رموز النظام السابق، بقيت الاتهامات في إطار الشك السياسي، لا في إطار تخوين وجودي شامل.

التحول الأعمق يتعلق بتركيبة العقلية السياسية السورية نفسها. لطالما قامت السياسة في منطقتنا على ما سمّاه ابن خلدون “عقلية العصبية”، الانتماء لشخص، لطوطم، لرمز يتجسّد فيه الولاء وتُختزل فيه الفكرة. لكن ما حدث هذا الأسبوع يوحي بأن بذورًا جديدة بدأت بالظهور، بذور ولاء لمبدأ، لا لشخص، لقيمة سياسية، لا لزعيم، لحق في التظاهر، لا لشيخ أو قائد. هذا ما تحدث عنه جان توشار في كتابه “تاريخ الأفكار السياسية”: الانتقال من عصبية الشخص إلى عصبية الفكرة.

بدا هذا التحول واضحًا في النقاشات التي دارت داخل المجتمعات، حيث باتت شرعية الفكرة لا الشخص هي معيار الحكم على أي موقف. أوضح مشهد على ذلك، كان تباهي بعض مؤيدي السلطة الحالية بخروج مظاهرات تندد بالرئيس نفسه وتصفه بـ”الإرهابي”، دون أن تتعرض لأي هجوم. هذه المباهاة تدل على صعود أهمية فكرة الحق بالاختلاف عن رمزية الشخص نفسه.

النقطة الثالثة هي ما ظهر من خلافات داخل الشارع السوري نفسه، وداخل كل معسكر على حدة. فبعد المظاهرات الأولى، خرجت مجموعة صغيرة من الشباب السنّي المتطرف لتطلق شتائم طائفية بغيضة، لكن اللافت أن هذه المجموعة لم تحظَ بأي قبول اجتماعي، بل واجهت إسكاتًا من الأمن نفسه. في المقابل، خرج الشارع السنّي في مظاهرات واسعة رافعة شعارًا واحدًا: “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”.

وفي داخل البيئة العلوية نفسها، ظهر تيار أكثر نضجًا: شخصيات محلية وفعاليات اجتماعية أعلنت صراحة رفضها لخطاب غزال غزال، مؤكدة أنه لا يملك أي شرعية ليتحدث باسم الطائفة، وأن زمن “الممثل المفروض” قد انتهى. هذا الصوت حاول أن يوازن بين الواقع المؤلم الذي يعيشه العلويون اليوم وبين الحاجة إلى ألا يجري احتكار صوتهم من أي جهة.

كما أكدت هذه الفعاليات أن حماية العلويين هي أولًا مسؤولية الدولة، باعتبارهم مواطنين يعيشون على أرضهم، وهذا أيضًا تحول ممكن العمل عليه لتشكيل تيارات سياسية عابرة للطوائف تكسر حدة الاصطفاف الحاصل حاليًا.

السلم الأهلي لا يتحقق فقط بالأمن، بل أيضًا عبر دور اجتماعي حقيقي يعالج الجراح القديمة ويعيد بناء الثقة مع باقي السوريين.

في المحصلة، ما حدث هذا الأسبوع لم يكن مجرد مظاهرات، بل اختبار صغير لوعي جديد يتشكّل داخل المجتمع السوري: وعي يرفض العنف، يعيد الاعتبار للفكرة بدل الشخص، ويكشف أن الشارع، وليس الأفراد، هو المعيار الحقيقي لاتجاه البلاد. الكاتب: أحمد عسيلي

مشاركة المقال: