الأحد, 30 نوفمبر 2025 09:53 PM

حلب تستعيد ذكريات "ردع العدوان": كيف استقبل الحلبيون فجر التغيير في 2024؟

حلب تستعيد ذكريات "ردع العدوان": كيف استقبل الحلبيون فجر التغيير في 2024؟

في صباح يوم 30 تشرين الثاني 2024، استقبلت مدينة حلب في شمال سوريا فجرًا مختلفًا، حيث استيقظ سكانها على واقع جديد بعد معارك لم تستمر طويلًا ولم تشهد العنف المتوقع لمدينة بحجم وأهمية حلب الاستراتيجية والجغرافية والسياسية، والتي تعتبر المدينة الصناعية والعاصمة الاقتصادية لسوريا. ووصف الناشط أحمد حلاق، المعروف بـ "أبو روما"، شعور سيدة حلبية بأن ذلك اليوم كان "كأنه شمس العيد"، وذلك تعبيرًا عن اليوم الأول لسيطرة "إدارة العمليات العسكرية" بعد إخراج قوات النظام السوري السابق من المدينة.

حلب، المدينة العريقة التي تعود جذورها إلى أعماق التاريخ، تحتل مكانة مهمة على الخريطة السورية نظرًا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي ووقوعها على خط الصناعة الذي يمد سوريا بالمنتجات المختلفة.

مشاعر مختلطة

انتاب الحلبيين الذين عاصروا دخول قوات المعارضة إلى المدينة شعورٌ بالخوف والفرح معًا، حيث بدأت العمليات في مساء 29 تشرين الثاني 2024 وانتهت مع ساعات الفجر الأولى. وكانت عملية "ردع العدوان" قد انطلقت في 27 تشرين الثاني 2024، بقيادة "إدارة العمليات العسكرية" التي ضمت الفصائل التي أدارت المعركة.

في الساعات الأولى من المعركة، لم يكن واضحًا أن حلب هي الهدف الرئيسي لقوات "ردع العدوان"، ولكن بعد الاقتراب من حدودها الغربية في اليوم الثاني من العملية، اتضح ذلك. انطلقت الرصاصة الأولى في الريف الغربي لمدينة حلب، بدءًا من بلدتي قبتان الجبل وعنجارة، ثم امتد الزحف ليصل إلى تخوم المدينة في اليوم الثاني، وبدأ الدخول من أبوابها الغربية في اليوم الثالث.

ومع دخول يوم الجمعة 29 تشرين الثاني، كانت قوات "ردع العدوان" تتوغل داخل الأحياء الغربية من مدينة حلب، في مشهد غير متوقع، وبدأت المقاطع المصورة تظهر المقاتلين وهم يمزقون صور الرئيس المخلوع، بشار الأسد، داخل أحياء المدينة. ومع فجر يوم السبت 30 تشرين الثاني، كانت مدينة حلب خالية من قوات جيش النظام، وعناصر "إدارة العمليات العسكرية" يحتفلون بأسلحتهم في ساحة "سعد الله الجابري" وأمام قلعة "حلب".

خوف وفرح

في تلك الفترة، شعرت السيدة الحلبية حسناء مصري بالفرح لخلاصها من النظام، لكنها كانت تخشى من عودة النزوح والقصف والحرب وعمليات القتل وهدم البيوت. ولم تكن مخاوف القصف مقتصرة على السيدة مصري، بل شاركها فيها العديد من السوريين الذين اعتادوا على هذا المشهد من النظام، انتقامًا من المناطق التي كان يخسرها.

كما انتاب صالح السمان شعور بالخوف والحذر، خشية من عودة سيناريو القصف إلى المدينة، كما كان الحال في ذروته بين عامي 2013 و2014. وكانت الشابة حسناء علو تخشى من إظهار مشاعر الفرح بخروج النظام من حلب، خوفًا من "الشبيحة"، إلى جانب خوفها من تكرار القصف على المدينة.

ومن أبرز المخاوف لدى "ابو روما" ألا تكون الضربة الأولى مجدية، وأن تعود الميليشيات الإيرانية والنظام للسيطرة على المناطق التي استحوذت عليها المعارضة. ويقول "أبو روما": "نعلم أن إعدادنا كبير، لكننا نعلم أيضًا الفرق كبير في العدة والسلاح، بين الجانبين، إذ يمتلك النظام سلاحًا متطورًا من مدفعيات وطيران".

بالمقابل، كان لدى "أبو روما" أمل كبير، بالرغم من أن الوضع السياسي والدبلوماسي يسير "ضد تطلعات السوريين وآمالهم" وينهي تضحياتهم.

المخاوف تحققت

تحققت مخاوف السوريين من انتقام النظام في الساعات الأولى من سيطرة المعارضة على المدينة، حيث وقعت القذائف الأولى على حي الفرقان في صبيحة 30 تشرين الثاني 2024، مخلفة قتلى وجرحى. كما قصف النظام ما كان يعرف بدوار "الباسل" بعد ساعات قليلة من إزالة نصب باسل الأسد، ما أدى إلى وقوع مجزرة راح ضحيتها 61 شخصًا وإصابة 70 آخرين بجروح، وفق ما وثقته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان". وفي مطلع كانون الأول 2024، استهدف النظام مشفى "الجامعة" في حلب، ما أدى إلى مقتل 12 شخصًا وإصابة العشرات.

حظر تجوال

قال الإعلامي "أبو روما"، الذي رافق قوات "ردع العدوان" في دخولها إلى حلب، إن المقاتلين تخوفوا أيضًا من ارتكاب المجازر خلف خطوطهم. ولذلك، عممت "الإدارة" على كل الأسواق وأماكن التجمعات المدنيين، وفرضت نوعًا من حظر التجوال، وفضت تجمعات السيارات، كي لا يرصدها الطيران، لأنهم كانوا يدركون مدى خطورة ذلك. وكانت "إدارة العمليات العسكرية" فرضت حظر تجوال من مساء 30 تشرين الثاني 2024، لمدة 24 ساعة، وبررت ذلك بالحفظ على سلامة الأهالي وتأمينًا للممتلكات الخاصة والعامة من العبث.

حملات للطمأنة

مع بدء ذلك الصباح، بدأت الحركة المدنية بالنشاط، وسط حضور خجول للسكان في الشوارع، إلا أن جمعيات ومنظمات مجتمع مدني ومتطوعين بدأوا يطوفون في الشوارع، منهم من كان يوزع الخبز والمواد الأساسية، ومنهم من كان يسعى لطمأنة المدنيين. واستطاع أبناء مدينة حلب، من المهجرين الذين دخلوا إلى المدنية فور سقوطها بيد المعارضة، المساهمة بالسلم الأهلي، مما جعل من معركة حلب "مثالًا نموذجيًا"، وفق ما يراه الناشط حلاق، مشيرًا إلى أنها لم تسجل أي انتهاك بحق مدنيين. كما لم تحدث أي سرقات للبنوك أو المرافق والمؤسسات العامة، بل تم تأمينها، وهو ما أسهم برفع الطموح نحو الاتجاه إلى محافظات أخرى، وفق حلاق.

وبحسب الناشط، استطاع المرافقون لقوات "ردع العدوان" الحديث مع الكثير من سكان المدينة وتطمينهم على بيوتهم وأرزاقهم. المدنيون الذين لم يستطيعوا الخروج إلى المدينة خلال فترة الليل، بدأوا بالتحرك خلال الصباح، وبدأت عجلة الحياة بالدوران، وأكثر ما كان مبشرًا هو خروج الحلبيين إلى أعمالهم مباشرة، بحسب "أبو روما". كما عادت الأفران إلى عملها بالشكل الطبيعي، فضلًا عن المشافي والمرافق والمؤسسات الرسمية، التي عادت لتقديم الخدمة مباشرة، وهو ما ساعد المقاتلين الذين كانوا على الخطوط الأولى على أن يكونوا مطمئنين من الناحية المجتمعية، يشير الناشط.

وهنا تخلخلت آلة النظام "الإجرامية" والعسكرية والأمنية، بحسب ما يراه "أبو روما"، إذ بدأت فعليًا بالسقوط بأعين السوريين، كما سقط بنظر المجتمع الدولي والإقليمي، الذين عرفوا أن النظام كان معتمدًا على الدعم الروسي ومن المليشيات الإيرانية والعراقية.

لم يكن متوقعًا

تفاجأ السوريون، وحتى المقاتلين أنفسهم بسرعة سير العملية، التي أذهلت حتى المخططين لها، حيث استطاعت قلب الموازين إلى صالح المعارضة، التي كانت في انكسار حادّ منذ عام 2014. العملية التي بدأت في 27 تشرين الثاني 2024، وضعت حلب نصب أعينها، والتي كانت "مفتاح النصر" بحسب ما عبر عنه ناشطون، حيث سهلت عملية السيطرة على بقية المحافظات، وصولًا إلى العاصمة دمشق، في 8 كانون الأول من ذات العام.

ولم تتوقع حسناء مصري، أن يسقط النظام بهذه السهولة، إذ شعرت بداية أن حلب ستكون تحت سيطرة المعارضة، في حين ستبقى بقية المحافظات ستبقى تحت سلطة النظام السابق. كما توقع صالح السمان أن تنتهي العملية العسكرية بالسيطرة على حلب، إذ رأى أنه من المستحيل والمستبعد التقدم لحماة أو حمص لأن عناصر النظام الذين خرجوا من المدينة تجمعوا على أطرافها.

التنظيم العسكري والقوات المقاتلة التي عملت خلف خطوط العدو، استطاعت أن تحقق أكثر مما هو متوقع، وأن تفاجئ بانهيار صفوف النظام، بدءًا من ريف حلب الغربي ووصولًا إلى حلب، وفق ما رآه "أبو روما". ومع السيطرة على حلب بدأت الطموحات تكبر، ولفت "أبو روما" إلى أن غرفة "إدارة العمليات العسكرية" بعد أن بدأت الزحف باتجاه مدن حماة وحمص، صرحت بأن المعركة بلا سقف، في حين كان المتوقع أن تكون الحدود إلى اتفاقية "أستانة"، حيث استطاع النظام اجتزاء بعض الأراضي المتفق عليها سياسيًا، وكانت الفكرة حينها لردع النظام عن ذلك.

وبعد السيطرة على حلب، بدأ السوريون، بمن فيهم الذين كانوا محبطين، بالالتحاق بالمعركة والالتحام إلى جانب قوات "إدارة العمليات العسكرية" بشكل شعبي ومجتمعي. واستكملت المعارضة السيطرة على كامل المحافظة، لتنهي وجود النظام فيها، مع مطلع كانون الأول 2024، والزحف نحو المدن والمحافظات الأخرى، في حين بقي حيي الأشرفية والشيخ مقصود بيد "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) حتى اللحظة.

تهجير 2016

كانت السيطرة على حلب لحظة فارقة في عمر الثورة السورية، وأعادت إلى أذهان السوريين لحظات من دخول المقاتلين المعارضين إلى المدنية في منتصف عام 2012، والذين سيطروا على الجزء الشرقي من المدينة حتى نهاية عام 2016. وفي أواخر عام 2016 شن النظام السوري، بدعم قوي من حليتفه روسيا، عملية عسكرية للسيطرة على الأحياء الشرقية من المدينة، والتي انتهت بإخراج مقاتلي المعارضة، مع نحو 300,000 من المدنيين إلى خارج المدينة، بالباصات الخضراء.

المقاتلون الذين خرجوا حينها، عادوا بعد نحو ثماني سنوات، لا ليستعيدوا السيطرة على ما خسروه حينها، بل ليستحوذوا على كامل المدينة، وينطلقوا منها نحو هدف أكبر، إسقاط النظام، والذي تحقق فجر 8 كانون الأول 2024.

11 يومًا غيرت وجه المنطقة.. عام على “ردع العدوان”
مشاركة المقال: