الأحد, 30 نوفمبر 2025 11:12 PM

سوريا في معركة الروايات: كيف تستعيد الدولة زمام المبادرة الإعلامية؟

سوريا في معركة الروايات: كيف تستعيد الدولة زمام المبادرة الإعلامية؟

علي عيد: بينما نقترب من مرور عام على التحرير، وبعد حقبة طويت بكل ما فيها، مخلفة وراءها إرثًا ثقيلًا من المنع الإعلامي، يبقى الأمل معلقًا على تعافي الإعلام كأكبر المتضررين. سوريا اليوم بأمس الحاجة إلى إدارة فعالة للرسالة الإعلامية، على غرار ما فعلته أمريكا مع بداية الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت إدارة السرد جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني.

الإعلام، باعتباره تجسيدًا لحرية التعبير وأداة مؤثرة في مستقبل البلاد ونهضتها، يواجه تحديات جمة. العمل العشوائي دون خطة واضحة أشبه بأحلام واهية. في الأول من كانون الأول عام 1942، تأسس مكتب المعلومات الحربية الأمريكي (Office of War Information – OWI)، الذي شكل نقطة تحول في علاقة الدولة بالإعلام في القرن العشرين، وولادة ما يعرف اليوم بـ "الدعاية الحديثة". لقد أدرك العالم أن الحرب لا تُدار بالسلاح فحسب، بل بالقصص والصور ورواية الأحداث، وهو ما تحتاج إليه سوريا بشدة.

قبل دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية في أواخر عام 1941، لاحظ الأمريكيون تشتت المشهد الإعلامي بين وكالات متفرقة تنتج مواد دعائية، وإذاعات وصحف تفتقر إلى التنسيق، ورأي عام غير موحد. لذلك، قررت الحكومة دمج الإعلام في جهاز واحد ضخم، هو "OWI"، يعمل على مدار الساعة لصناعة الرواية الأمريكية عن الحرب، من خلال رسائل داخلية وخارجية، ورقابة ناعمة، وإشراك "هوليوود" لتحويل السينما إلى قوة تعبئة جماهيرية.

لا ندعو هنا إلى سيطرة الدولة، ولا توجد نية خبيثة في ذلك. فقد أغلقت الولايات المتحدة "OWI" بعد الحرب عام 1945، لكن تأثيره لا يزال حاضرًا حتى اليوم، إذ يعتبر ذلك المكتب "الأب غير المعلن" لمفهوم "الرسائل الحكومية" الحديثة. لقد أدرك الأمريكيون أن كسب الحروب الحديثة لا يقتصر على المدافع، بل يشمل تحريك الوعي.

تشهد سوريا اليوم انقسامًا مجتمعيًا عميقًا، وانتشارًا لخطاب الكراهية عبر المنصات الرقمية، وضعف الثقة في المؤسسات الإعلامية، خاصة بعد أحداث الساحل والسويداء، مع تأثير العديد من المؤثرين ورجالات النظام السابق. بالإضافة إلى ذلك، هناك خصم إقليمي، إسرائيل، يسعى لتمزيق سوريا وإضعافها.

أي خطة تتبناها الحكومة في دمشق يجب ألا تمس حرية الإعلام، بل يجب أن تركز على تحويل الإعلام إلى جسر للوحدة الوطنية، وأداة فعالة لإدارة الأزمات، ومحاربة الخطابات التحريضية، من خلال إعلام شفاف يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، ودمج الفئات المهمشة في السردية الإعلامية، واستغلال "السوشيال ميديا" لتعزيز الحوار بدلًا من تعميق الانقسامات.

المقصود ليس الرقابة، بل القدرة على تقديم رواية وطنية موحدة في أوقات الانقسام، وتضييق المساحة أمام خصوم الخارج لمنعهم من صناعة الرواية وتوجيه الجمهور. تحتاج سوريا إلى إدارة واحدة لتنسيق الرسالة الوطنية، مع الأخذ في الاعتبار أن الدولة لم تعد اللاعب الوحيد، فشركات مثل جوجل وميتا وتيك توك، ومختبرات البيانات، والجيوش الإلكترونية، والمؤثرون، وجماعات الضغط الرقمية، و"روبوتات" (بوتات) توزع السرديات، كلها أطراف فاعلة.

لقد تحول العالم إلى غرفة واحدة تخضع لتوجيه خوارزمي، حيث تقوم الخوارزمية برفع محتوى وخفض آخر، وإغراق المستخدم في الفقاعة، والدفع بقصة معينة بقوة وقتل قصة أخرى بالوصول الضعيف. الجمهور لم يعد يرى اللاعب الحقيقي خلف الستار، وثمة من يمارس هندسة الانتباه والسلوك.

مسؤولية خلق المشاعر الوطنية لم تعد مجرد إقناع يعتمد على التشجيع والخوف وكشف العدو المشترك والبطولة، وأصبح الخطاب الموحد لشعب كامل أشبه بالمستحيل، فكل مستخدم يحصل على رواية مصممة حسب سلوكه وبياناته ونقاط ضعفه. انتهكت التكنولوجيا الجغرافيا، وأصبح بإمكان أي خصم دولي التلاعب بجمهور خصمه من الداخل، عبر دعاية دون اسم ولا توقيع.

هل يستطيع الإعلام المستقل أو الخاص القيام بهذا الدور؟ بالطبع لا، وربما يشكك هذا الإعلام بتنفيذ خطة من هذا النوع، وهو أمر مبرر. مهمة بناء الرواية الوطنية تقع على عاتق الدولة، وتبدأ بالإعلام ولا تنتهي فيه، إذ يتطلب الأمر إشراك القوى الناعمة (الفن والثقافة)، والمجتمع المدني، والمؤثرين. لا تتحمل سوريا اليوم رفاهية ترك روايتها في يد الآخرين.

مشاركة المقال: