الجمعة, 29 أغسطس 2025 11:48 PM

غزة تحت وطأة النزوح القسري: الغزيون يواجهون خيارات محدودة في ظل استمرار الحرب

غزة تحت وطأة النزوح القسري: الغزيون يواجهون خيارات محدودة في ظل استمرار الحرب

على الطرقات المتجهة من شمال قطاع غزة إلى جنوبه، تتكرر مشاهد النزوح الجماعي المأساوية. عائلات فلسطينية تجر ما استطاعت من ممتلكات على عربات تجرها الحمير، أو على متن شاحنات صغيرة تكاد لا تقوى على السير بسبب أزمة الوقود الحادة. آخرون يسيرون على الأقدام تحت شمس حارقة، يصطحبون أطفالهم ويحملون ما تيسر من طعام وماء وبطانيات.

في المقابل، يصر العديد من السكان الفلسطينيين على البقاء في منازلهم المدمرة أو بين أنقاضها، رافضين مغادرة مدينة غزة مهما اشتد القصف. يعتقد هؤلاء أن النزوح هذه المرة قد لا يقتصر على جنوب القطاع، بل قد يمتد إلى خارج غزة بأكملها، كجزء من مخطط تهجير قسري لا يبدو أن إسرائيل قد تخلت عنه.

وكان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أعلن في مطلع هذا الشهر عن عزم حكومته السيطرة على مدينة غزة وإجبار ما يقارب 900 ألف شخص من سكانها والنازحين إليها على الرحيل، في عملية عسكرية من المتوقع أن تستمر لأشهر. أعاد هذا القرار إلى الأذهان المشهد الأول للحرب، عندما طالبت إسرائيل أكثر من مليون فلسطيني بمغادرة شمال القطاع خلال 24 ساعة فقط في تشرين الأول 2023. ومنذ ذلك الحين، استمرت آلة الحرب بلا توقف على مدى 22 شهراً، حاصدة أرواح ما يزيد على 62 ألف شخص، وإصابة أكثر من 156 ألفاً بجروح متفاوتة، مع تدمير أكثر من 70% من البنية التحتية تحت القصف.

في أحد أزقة مدينة غزة، يكدس أبو محمد الخالدي بعض الملابس القليلة في حقيبة قديمة، استعداداً لمغادرة منزله مع أسرته نحو جنوب القطاع. يقول بصوت متقطع: «لم أكن أتخيل أنني سأصل إلى هذه اللحظة. كنت أظن أنني سأموت في بيتي قبل أن أتركه، لكن الجيش الإسرائيلي سيدمر المدينة، وكل من يبقى هنا سيكون مصيره إما القتل أو الدفن تحت الركام».

ويصف الخالدي كيف قضى ليلته الأخيرة في المدينة: «كانت أصعب ليلة في حياتي. القصف لم يتوقف دقيقة واحدة، الطائرات المسيرة لا تغادر السماء، ترمي قنابل صغيرة فوق أسطح المنازل وكأنها تذكرنا بأن دورنا سيأتي. لم أنم لحظة، وأطفالي بكوا طوال الليل من الخوف. ابني الصغير تشبث بي وهو يقول: بابا، لا أريد أن أموت». ويضيف: «هذا البيت بنيته بسنوات من التعب، والآن أتركه وكأنه لا شيء. لن أحمل معي سوى بعض الملابس، بطانيتين، وزجاجات ماء. الباقي سيبقى هنا ليتحول إلى غبار».

وعند سؤاله عن شعوره وهو يستعد لمغادرة المدينة، يجيب وهو يجر حقيبته نحو الباب: «غزة ليست مجرد بيت أو شارع، هي روحنا. تركها يشبه اقتلاع القلب من الجسد. لكنني لا أملك خياراً آخر. أريد فقط أن أحمي أولادي. سأرحل إلى الجنوب، لكنني أعلم في داخلي أنني أترك خلفي جزءاً مني لن يعود». ثم يتوقف لحظة، ويرفع نظره إلى السماء حيث تحلق الطائرات الإسرائيلية بلا انقطاع، ويقول: «هذه ليلتي الأخيرة هنا. غداً سأصبح نازحاً آخر بلا بيت. لكنني سأبقى فلسطينياً مهما حاولوا محونا».

أما في حي النصر غرب مدينة غزة، فتجلس السيدة أم خالد عزام (38 عاماً) داخل منزلها المتصدع، بينما دوى صوت انفجار قريب منها جعل النوافذ تهتز. بدت المرأة ثابتة وهي تتحدث عن قرار عائلتها الصعب بالبقاء في المدينة، مهما اشتدت الظروف. تقول بحزم: «لن نغادر هذه المرة. جربنا النزوح من قبل بين تشرين الأول 2023 وكانون الثاني 2024، وكانت تلك تجربة لا تنسى من القسوة. كنا نتنقل من مكان إلى آخر في مدن ومخيمات جنوب القطاع وكأننا غرباء في أرضنا».

تستعيد تفاصيل معاناتها السابقة، وتضيف: «كنت أستيقظ كل صباح في مخيم إيواء مكتظ بالناس، وأشعر أننا عائلة بلا بيت، بلا عنوان. لم يكن هناك أي استقرار، فقط قلق دائم وذل الانتظار. ذلك الشعور بالتيه كان أكثر ما يقتلني من الداخل». ومع أن الوضع الإنساني اليوم لا يقل صعوبة عما كان عليه في السابق، تؤكد أم خالد أن خيارها مختلف: «صحيح أن الطعام قليل والماء بالكاد يكفينا، لكنني أفضل البقاء في منزلي. حتى لو لم يبق لدينا إلا القليل، سنقتسمه هنا»، لافتة إلى أن «النزوح مرة أخرى يعني أن نفقد غزة نفسها. أشعر أن من يغادر هذه المرة قد لا يعود أبداً إذا سيطر الجيش الإسرائيلي على المدينة».

تنظر أم خالد حولها، إلى أثاث متواضع وصور قديمة معلقة على جدار متشقق، لتقول إن «هذا البيت قد يقصف في أي لحظة، لكن على الأقل نموت فيه واقفين. النزوح لا يعني فقط مغادرة المنزل، بل مغادرة الروح. وأنا لن أسمح لهم أن يسلبوا روحي».

قبل أيام قليلة، وجدت نفسي أقف في منتصف منزلي المؤقت وسط مدينة غزة، أراقب المشترين وهم يحملون قطع أثاث واحدة تلو الأخرى. كان مشهداً موجعاً بالنسبة إلي، ليس لأنني أفرط في شيء مادي، بل لأن كل قطعة أثاث تحمل ذكرى مخدوعة بالأمل. اشتريت هذا الأثاث قبل أشهر فقط، بعد أن دمر منزلنا الأول الذي نشأت فيه مع بداية الحرب. يومها أقنعت نفسي بأننا سنعيد بناء حياتنا، وأن الحرب لن تدوم إلى الأبد. أردت أن أستعيد شيئاً من الاستقرار لأطفالي.

لكن الحقيقة قاسية؛ إذ اضطررت الآن إلى بيع كل ما استطعت من متاع المنزل بثمن زهيد، حتى لا يضيع تحت أنقاض قصف جديد أو ينهب بعد اجتياح متوقع، بينما ما تبقى لنا لا يتجاوز البطاطين، وفرش النوم، وبعض الطعام والماء القليل، وجهاز الحاسوب المحمول الذي صار وسيلتي الوحيدة لأحكي قصتنا للعالم.

والواقع أنني لا أرغب إطلاقاً في مغادرة غزة؛ فهذه المدينة هي طفولتي وذكرياتي وجذوري. لكنني أعلم في قرارة نفسي أنه إذا تقدم جيش الاحتلال من جهة الغرب، فلن يبقى أمامي خيار آخر سوى النزوح مجدداً، هذه المرة جنوباً، وربما نحو المجهول. وفي سبيل مواجهة ذلك، قررت الانتقال من منزلي المؤقت وسط المدينة، إلى خيمة نصبتها فوق ركام منزلي المدمر في بداية الحرب غرب غزة. وكلما فتحت حاسوبي المحمول داخل الخيمة لأكتب تقريراً صحافياً، أشعر أنني أنقذ شيئاً من نفسي، من هويتي، من مدينتي التي تمحى أمام عيني. ومع كل كلمة أكتبها، يزداد يقيني بأنني، مهما حملت معي من أمتعة، فلن أستطيع أن أحمل غزة كلها، لكنني سأحمل صوتها ووجعها أينما ذهبت.

مشاركة المقال: