بقلم: حسن حردان
يبدو واضحاً أن رهان رئيس وزراء العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على اجتياح مدينة غزة لتحقيق ما يسميه "النصر المطلق" و"الشرق الأوسط الجديد"، يشبه إلى حد كبير رهانه السابق قبل اجتياح مدينة رفح. هذا التشابه يثير تساؤلات حول ما إذا كان الفشل سيتكرر في رهانه الجديد، على غرار ما حدث في رفح، وما هي التداعيات المحتملة في حال تكرار هذا الفشل؟
إن إصرار بنيامين نتنياهو على اجتياح مدينة غزة لتحقيق "النصر المطلق" يمثل استمراراً لنهجه السابق القائم على العمليات العسكرية الشاملة، وهو ما يذكرنا برهانه الخاسر على اجتياح مدينة رفح. في كلتا الحالتين، اعتبر نتنياهو هذه العمليات وسيلة لتحقيق أهداف استراتيجية عجز جيشه عن تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بالقضاء على المقاومة وتدمير قدراتها القتالية، واستعادة الأسرى الصهاينة بالقوة. ومع ذلك، لا يزال يدافع عن هذه العمليات باعتبارها الطريقة "الأفضل والأسرع" لإنهاء الحرب، وإعادة الأسرى، والقضاء على حركة حماس وغيرها من حركات المقاومة.
أولاً: المشترك بين الرهانين
- شعار "النصر المطلق": يربط نتنياهو بين أي عملية عسكرية جديدة وشعاره "النصر المطلق"، معتبراً إياها شرطاً ضرورياً لتحقيق هذا الهدف. هذا الشعار تكرر في سياق اجتياح رفح، ويتكرر الآن في سياق اجتياح مدينة غزة.
- التهرب من الأهداف غير المتحققة: يواجه نتنياهو اتهامات بالفشل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة، مثل القضاء على المقاومة واستعادة الأسرى الأحياء. لذلك، يحاول تبرير استمرار الحرب من خلال شن عمليات جديدة، مثل عملية رفح سابقاً، أو عملية غزة حالياً، مدعياً أن هذه العمليات ضرورية لإكمال المهمة.
- الضغوط السياسية: يواجه نتنياهو ضغوطاً سياسية داخلية متزايدة من المعارضة الإسرائيلية، التي تطالبه بوقف الحرب وقبول صفقة تبادل للأسرى، وتقديم موعد الانتخابات، وتتهمه باتباع سياسات تخدم مصالحه الشخصية للبقاء في السلطة. لذلك، فإن أي عملية عسكرية جديدة تمثل محاولة لتأجيل هذه الضغوط وتشتيت الانتباه عن فشله.
- الرغبة في السيطرة: يسعى نتنياهو إلى تحقيق السيطرة العسكرية الكاملة على القطاع. فبعد اجتياح رفح والسيطرة على المعابر، يتطلع الآن إلى السيطرة على مدينة غزة، ويعتبرها معقلاً آخر لحركات المقاومة، وأن السيطرة عليها ستعيد "صورة إسرائيل التي سُحقت".
ثانياً: هل يتكرر الفشل في الرهان الجديد؟
هناك مؤشرات قوية على أن الفشل سيتكرر، وذلك للأسباب التالية:
- صعوبة القضاء على المقاومة: لا يمكن القضاء على حركة أو فكرة المقاومة بالمطلق عن طريق القوة العسكرية وحدها، خاصة أن حماس وغيرها من الفصائل هي حركة لها جذورها العميقة في المجتمع الفلسطيني، والمستمدة من عدالة القضية. ورغم التدمير الهائل للمباني والبنية التحتية الذي أحدثه القصف الصهيوني، فإن مقاتلي المقاومة أظهروا قدرة فائقة على التكيف والعمل من خلال شبكات الأنفاق، مما يجعل القضاء عليهم بشكل كامل أمراً مستحيلاً.
- التكلفة البشرية والمادية: اجتياح مدينة غزة سيؤدي إلى خسائر بشرية ومادية فادحة في صفوف الجيش الإسرائيلي، نتيجة المقاومة الضارية التي سيواجهها والتي برهنت عن كفاءة وبراعة وشجاعة وجرأة في مواجهة جيش الاحتلال وتكبيده الخسائر الفادحة. وقد أصبحت المقاومة، بعد عامين من القتال المتواصل، أكثر خبرة في خوض حرب العصابات ضد قوات الاحتلال.
- تفاقم الأزمة الإنسانية: اجتياح مدينة غزة، التي تعاني بالفعل من مجاعة ونقص حاد في المساعدات، سيؤدي إلى كارثة إنسانية لا مثيل لها.
- الضغوط الدولية: من المتوقع أن يثير اجتياح مدينة غزة إدانات دولية واسعة، وقد يزيد من عزلة "إسرائيل" وتدهور صورتها على الساحة الدولية، خاصة أن المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، سبق أن حذر من تداعيات مثل هذه العمليات على المدنيين.
ثالثا: التداعيات المتوقعة عند تكرار الفشل
إذا فشل نتنياهو في تحقيق "النصر المطلق" كما هو متوقع، من خلال اجتياح مدينة غزة، يمكن أن تترتب على ذلك المزيد من التداعيات على المستويين الداخلي والخارجي:
من المنتظر أن يؤدي الفشل إلى تزايد الغضب الشعبي ضد نتنياهو، خاصة من عائلات الأسرى وعائلات الجنود وعموم المعارضة، مما قد يؤدي إلى احتجاجات واسعة ومطالبات بانتخابات مبكرة، ستؤدي في حال حصولها إلى هزيمة نتنياهو وائتلافه وفوز معارضيه. كما من المتوقع أن يؤدي الفشل إلى أزمة سياسية عميقة، قد تتسبب في تفكك ائتلاف نتنياهو الحكومي الهش، وربما سقوط حكومته.
ومن المؤكد أيضاً أن يحصل تراجع وانهيار كبير في معنويات جيش الاحتلال الذي يعاني أصلاً من أزمة قبل بدء العملية في مدينة غزة، فكيف سيكون الحال مع فشله مجدداً في تحقيق أهدافه على معنويات جنوده وضباطه، بل إنه سوف يزيد من طرح الأسئلة حول جدوى هذه الحرب.
أما على الصعيد الخارجي فإن الفشل سوف يؤدي إلى تعزيز المقاومة العربية ضد الاحتلال، ويضعف الاتجاه المعادي لخيار المقاومة، كما أنه سوف يزيد من دعم الرأي العام العالمي للقضية الفلسطينية ونضال الشعب الفلسطيني التحرري، ويفاقم من عزلة "إسرائيل" الدولية وتعرضها لعقوبات وضغوط غير مسبوقة لأجل ليس فقط وقف حرب الإبادة، وإنما أيضاً لغرض إقامة دولة فلسطينية باعتبارها السبيل لإيجاد تسوية تحقق الاستقرار والأمن في المنطقة.
لذلك فإن محاولة نتنياهو الاستمرار في الهروب إلى الأمام، ورفض قبول إيقاف الحرب وتبادل الأسرى، لن يؤدي سوى إلى مفاقمة فشله، وتداعياته السلبية عليه وعلى كيانه… (اخبار سوريا الوطن1-الكاتب)